زيارة الشيباني... رسائل متناقضة تعيد هواجس الماضي
كان يُفترض أن تشكّل الزيارة الثانية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان محطة تؤسس لعلاقات جديدة بين دولتين مستقلتين، تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، خصوصًا بعدما أعلنت دمشق، في أكثر من مناسبة، أنها تتعامل مع لبنان من خلال مؤسساته الدستورية الشرعية، وأن زمن الوصاية قد انتهى.
غير أن مسار الزيارة حمل إشارات مقلقة بدّدت جزءًا كبيرًا من هذا الانطباع. فبدل أن تلتزم الزيارة الإطار الدبلوماسي المعروف، وأن تقتصر لقاءات وزير الخارجية السوري على رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة ووزير الخارجية والمسؤولين الرسميين، توسعت لتشمل قوى وأحزابًا وشخصيات سياسية لبنانية، في خطوة تجاوزت الضوابط البروتوكولية التي تحكم زيارات وزراء الخارجية بين الدول.
قد يقال إن التواصل مع مختلف المكونات السياسية أمر طبيعي، إلا أن خصوصية العلاقة اللبنانية – السورية تجعل أي خروج عن الأصول الدبلوماسية مسألة شديدة الحساسية. فلبنان لم ينسَ بعد عقودًا من التدخل السوري المباشر في الحياة السياسية، حين كانت دمشق تدير التوازنات الداخلية وتنسج علاقاتها مع الأحزاب والقوى والزعامات، متجاوزة مؤسسات الدولة اللبنانية، وهو ما ترك جراحًا عميقة في الذاكرة الوطنية.
ولهذا السبب تحديدًا، فإن أي مسؤول سوري يزور بيروت اليوم مطالب ببذل جهد مضاعف لإثبات أن تلك المرحلة أصبحت من الماضي، وأن العلاقة الجديدة تقوم حصرًا بين دولتين ذاتي سيادة، لا بين دولة وأطراف داخل دولة أخرى. فاحترام السيادة لا يكون بالتصريحات وحدها، بل بالممارسة أيضًا.
إن بناء الثقة بين لبنان وسوريا الجديدة لا يتحقق بالتصريحات وحدها، بل بالالتزام الصارم بالأعراف الدبلوماسية واحترام سيادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها. فإذا كانت دمشق تسعى فعلًا إلى فتح صفحة مختلفة مع بيروت، فإن أفضل رسالة يمكن أن تقدمها هي حصر علاقاتها بالقنوات الرسمية، لأن احترام الدولة يبدأ باحترام مؤسساتها، لا بتجاوزها.
- شارك الخبر:
