قراءة في لقاء ترامب - عون: واشنطن تختبر التزامات بيروت
ليس الحدث أن يلتقي رئيسان في البيت الأبيض، بل أن يدخل رئيس لبناني إلى المكتب البيضاوي لأول مرة منذ عشرين عاما. هذا هو الخبر بحد ذاته. أما ما دار خلف الأبواب المغلقة، فيرسم خريطة طريق لمرحلة جديدة عنوانها الوحيد: واشنطن قررت الاستثمار في شخص الرئيس جوزاف عون، لكن بشروطها ولغتها الخاصة.
لو أردنا اختصار المشهد كله في عنوان، لكان "اختبار السيادة" هو التوصيف الأدق. كل جملة نطق بها دونالد ترامب كانت اختبارا، وكل جملة نطق بها الرئيس عون كانت محاولة لتجاوز هذا الاختبار.
بدأ الاختبار بابتسامة. عندما قال ترامب بعد إشادة الرئيس عون به: "هذا لطيف جدا... أرأيتم؟ إنه يعرف كيف يكسب ودي"، لم يكن يمازح الصحافة. هذه هي عقيدة ترامب في السياسة الخارجية. هو لا يؤمن بالمؤسسات ولا بالملفات المعقدة، بل يؤمن بالأشخاص.
بهذه الجملة، وجه ترامب ثلاث رسائل. الأولى لرئيس الجمهورية: لقد نجحت في الاختبار الأول، مدحت إنجازي ووصفت الاتفاق الإطاري بأنه تاريخي وربطت رؤيتك برؤيتي، وهذا ما أريده. والثانية للداخل الأميركي: أنا لا أقدم مساعدات خيرية للبنان، أنا أستثمر في رئيس يحترم أميركا ويحترمني. والثالثة، وهي الأهم، لحزب الله ولكل خصوم الرئيس عون في الداخل: هذا الرئيس لديه خط ساخن معي، والمس به هو مس باستثماري الشخصي. هذه هي الشخصنة الكاملة للملف اللبناني. وهي تمنح رئيس الجمهورية غطاء لا يملكه أي رئيس لبناني منذ عقود، لكنها غطاء مزاجي قد ينقلب في أي لحظة.
أما الرسالة الأخطر، فكانت عندما قال ترامب: "سنحل الكثير من المشاكل في لبنان بما فيها حزب الله" وأضاف "الرئيس اللبناني يقاتل حزب الله منذ فترة طويلة". هنا قام ترامب بعملية تثبيت سياسي مقصودة، حيث وضع الرئيس عون في خانة الحليف الأمامي لواشنطن في حربها على الحزب.
هذا التوصيف يمكن أن يساعد رئيس الجمهورية للحصول على السلاح والدعم المالي للجيش، ولم يكن مصادفة أن يسارع الرئيس عون في اللقاء نفسه للقول إن "رئيس مجلس النواب نبيه بري يريد نهاية الحرب ويدعم ما تقوم به الدولة". كانت تلك عملية ترميم سياسي لانعكاس مواقف ترامب على الداخل اللبناني وتحديدا على بيئة الثنائي. عون كان يقول: أنا لا أقاتل الطائفة الشيعية، أنا أقاتل السلاح غير الشرعي، وحتى بري، رأس الطائفة سياسيا، معي في معركة الدولة.
ثم جاءت الجملة الأكثر غموضا: "سأتحدث مع حزب الله إذا أراد الرئيس". رئيس أميركي يعرض التفاوض مع منظمة تصنفها إدارته إرهابية. هذا ليس انفتاحا، بل تهديد مغلف بثلاثة اتجاهات. تهديد لحزب الله بأن رفضه نزع السلاح مع الدولة اللبنانية سيدفعه للتفاوض مباشرة مع الأميركي بشروط أقسى بكثير. وتهديد للدولة اللبنانية بأن واشنطن قادرة على تجاوزها إذا فشلت في المهمة. ورسالة لإسرائيل بأن البيت الأبيض يملك أدوات أخرى غير الحرب المفتوحة.
واكتملت الصورة بإقحام سوريا. "الرئيس السوري أحمد الشرع يود أن يقوم بشيء مع حزب الله وسيكون فعالا". لماذا يذكر ترامب دمشق في ملف لبناني إسرائيلي؟ لأن الاستراتيجية الأميركية الجديدة لم تعد ترى لبنان كساحة منفصلة، بل كجزء من منظومة حدودية جديدة يكون فيها النظام السوري الجديد شريكا في احتواء حزب الله من الشرق. وهذا يفسر الاتصال الذي حصل عشية لقاء البيت الابيض بين الرئيس عون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. كان يؤمن الغطاء العربي السني قبل أن تفرض عليه الوصاية السورية الجديدة كأمر واقع.
يعود الرئيس عون من واشنطن بوعد بإرث تاريخي، كما قال هو لترامب: "هذا سيكون إرثك". لكنه عاد أيضا بلقب ثقيل: الرجل الذي يقاتل حزب الله في قاموس ترامب. والتحدي الوجودي الآن هو كيف يحافظ على هذا اللقب في واشنطن ليحصل على الدعم، من دون أن يخسر لقبه الأهم في الداخل: رئيس كل اللبنانيين.
- شارك الخبر:
