انتظاران في بيروت: قمة ترامب - نتنياهو ومآل عصيان حزب الله
فيما المنطقة وكأنها تسير «على رؤوس قدميها» فوق جَمْرٍ يشي بتأجّج أوسع، يُختبر المسار التنفيذي لـ «الصيغة الإطار» الموقّعة بين لبنان واسرائيل برعايةٍ أميركية الذي بدأ يوم الثلاثاء من «المنطقة النموذجية» الأولى في الجنوب التي تشكّل امتحاناً لكل من تل ابيب وبيروت لجهة جدية كل منهما في الوفاء بالتزاماته بالانحساب وسحْب السلاح، كما لـ «حزب الله» الذي وَجَد نفسه أمام معادلة صعبة بدأ سريانُها من فوق كل خطوطه الحمر وعنوانها «الأرض مقابل السلاح».
وعلى وقع وضْع الرئيس دونالد ترامب، إيران أمام خياريْن: إمّا التوصل إلى اتفاق بشروطه، أو مواجهة مستوى «أعنف بكثير» من الضربات، و«شدّ الأحزمة» عشية لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، فإنّ لبنان الذي انشغل بالاحتفال المهيب الذي أقيم لمناسبة تطويب بطريرك «لبنان الكبير» إلياس الحويّك، بدا معنياً، بالتوازي، بسيناريوهات انزلاق الإقليم إلى الانفجار الكبير الذي عزّزت احتمالاته «الإنذارات السباقة» الأميركية والغربية لرعاياها، وبقمة البيت البيض المرتقبة التي تأتي بعد أسبوع على زيارة الرئيس جوزاف عون لواشنطن واجتماعه بسيد البيت الأبيض.
وإذ يَستقطب لقاء نتنياهو - ترامب الاهتمام على المستوى الإقليمي نظراً إلى تَزامُنه مع اقتراب جبهة إيران من مرحلة «اختراق دبلوماسي أو تمزيق نهائي لمذكرة التفاهم» وتالياً الحرب الكبرى التي يُعتقد أنها لن تشبه هذه المرة «الغضب الملحمي»، فإن لبنان يرصد هذه القمة باعتبارها تشكّل اختباراً لمدى نجاح عون في إقناع ترامب بموقف بيروت في ما خصّ أولوية الانسحاب الإسرائيلي وفق جدول زمني واضح ومحدَّد ليكون ذلك «كاسحة ألغام» من أمام مسار حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك البنية العسكرية للحزب عبر نزْع الذرائع و«كشْفه» أمام بيئته وكل الداخل اللبناني والخارج في حال عرقلته هذه العملية أو افتعال سرديات جديدة لتكريس ربْط هذا الملف بـ «لوحة التحكّم» الإيرانية
ورغم أن محاولة تثبيت التهدئة تواجه الرياح المعاكِسة التي تهبّ من على «الجبهة الأم»، إيران، فإنّ أوساطاً سياسية في بيروت لا تُسْقِط احتمالَ صمود هذا الترتيب ولو اشتعلتْ الحرب الأوسع في الإقليم، مستندةً إلى اعتباراتٍ تتصل بمسألتين:
- الأولى ضمور القدرة العسكرية لـ «حزب الله» الذي وجد نفسه مضطراً للمجاهرة بأن صواريخ إيران هي مَن حمت الضاحية الجنوبية وأوقفت استهدافها من إسرائيل في أبريل الماضي وحققت وقف النار (وفق سرديته)، بما يعني أن الحزب، الذي بنى كل أصْل وجوده على أن سلاحه هو لحماية لبنان، بات يحتاج لحماية مباشرة من طهران، وتالياً أنه فَقَدَ دور الإسنادِ المُجْدي وصار مكشوفاً في أي مواجهة جديدة مع إسرائيل، ستبدأ من حيث توقفت المعارك ومن خطوط التوغل التي رسّمتها تل أبيب بالحديد والنار.
- والثانية الاعتقاد أن طهران تعدّ جبهة الحوثيين لتكون بمثابة تعويض أو بديل عن «حزب الله»، لحماية الأخير أيضاً وتفادي توجيه ضربة قاضية له من إسرائيل، وفق منطق «التقنين» في استخدام الأوراق التي لم تزجّ بها كاملة في «الجولة الأولى» من الحرب التي استمرت 38 يوماً والتي ترتّبها على طريقة الـ «ماتريوشكا»، في محاولة لإطالة أمد معركة الصمود التي تخوضها والتي تعتقد أنها قادرة في نهايتها على فرض شروطها، على ما سعت للقيام به في الأسابيع الماضية، ليس لأنها ربحت على الولايات المتحدة بل لأنها لم تخسر أمامها.
وفي حين ترى مصادر أخرى أن «إفلاتَ» جبهة لبنان من أي إعصار نار جديد، دونه في سياق عملية محاكاة الاحتمالات، ألا تستشعر طهران بأن ما سيكون هو حرب «نكون أو لا نكون» لنظامها، إذ تصبح الحسابات مختلفة وتعْلو في مثل هذا السيناريو معادلة «وبعدي الطوفان»، فإنّ هذا لا ينْفي بأي حال المعطيات التي تتحدّث عن أن واشنطن ستمْضي في لقاء «تبريد القلوب» بين ترامب ونتنياهو إلى حضّ الأخير على تجنُّب أي تفخيخ للمسار الذي بدأ على جبهة لبنان عبر المرحلة التجريبية الأولى، واستكماله بخطواتٍ أخرى وخصوصاً إذا كانت الأيام الفاصلة عن الثلاثاء كرّست نجاح الجيش اللبناني في فرْض سيطرته خصوصاً على منطقة زوطر الغربية التي انسحب الجيش الإسرائيلي من أطرافها التي كان يحتلها، وتطهيرها من أي بنية عسكرية لحزب الله ولاحقاً منْع عودته إليها.
وفي الوقت الذي يسود ترقب لِما إذا كانت الأيام الفاصلة عن جولة روما المقبلة في 4 أغسطس ستتيح بلورة أكثر وضوحاً لآلية التحقُّق من سحب السلاح والانسحاب وهل يتم تثبيت حصرية دور «سنتكوم» في هذا الإطار أم يتوسع نطاق المشاركين في هذه الآلية من دول غربية، لم تكن عابرة إضاءة «حزب الله» على جوهر «الصيغة الإطار» وخلفيات اعتراضه على «المرحلة التجريبية» وهجومه الشرس على عون وصولاً لتخوينه والتهديد بأن هذا المسار قد يمس بالاستقرار اللبناني.
وفي السياق، أعلن نائب «حزب الله» علي فياض «أن السلطة تخوض الآن أحد أكثر إنجازاتها العبثية رضوخاً للإسرائيلي، في منطقة محرَّرة شمال نهر الليطاني، من دون أي مكتسبات ومن دون أي ضمانات، وفي ظل إصرار الإسرائيلي على عدم الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة».
وتكمن أهمية هذا الموقف في أنه يؤشر إلى أن الحزب، لم ولن يبدّل مقاربته القائمة على أن سلاحه القابل للبحث والسحب من ضمن إطارٍ نهايته انسحاب إسرائيل الكامل هو الموجود جنوب الليطاني، أما شمال النهر فهذا السلاح خاضع لـ «ميزان» داخلي عنوانه حوار حول إستراتيجية دفاع وطني، بمعنى استجرار سيناريوهات مرحلة 2006 حتى اليوم والتي خاضها، وفق خصومه، على قاعدة «الإجماع مطلوب فقط على سحب السلاح وليس على بقائه» وأن سيبقى يحاور «حتى يقتنع الآخرون بسرديته».
كما أن كلام فياض يعكس دلالة شمول زوطر الغربية بالمرحلة التجريبية الأولى، هي التي تقع شمال الليطاني، وأرادت إسرائيل من خلال الإصرار عليها «ربْط نزاع» مع مسألة السلاح شمال النهر باعتبارها أنها خاضعة لموجبات «الصيغة الإطار» باعتبارها الحاملة لملف ترسانة حزب الله في كل لبنان، وهو ما يشكّل «لب المعركة» الداخلية، وقد يتحوّل «لغماً» يفجّر باسمه الحزب المسار التجريبي، ولو لم تفرض مقتضيات المعركة على جبهة إيران ذلك، بل جاء الأمر من باب حفْظ ما أمكن من التوازنات لمرحلة «اليوم التالي» للحرب في المنطقة.
- شارك الخبر:
