أموال التعليم العالي خارج الخزينة: ملفان يفرضان تحرك النيابة العامة
لم يعد ما يجري في المديرية العامة للتعليم العالي، قابلاً للاختزال بمخالفة إدارية أو بجدل حول طريقة دفع بعض التعويضات. نحن أمام ملفين ماليين متوازيين نشآ بموجب مرسومين مختلفين، وتدفقت بموجبهما أموال بالدولار الأميركي مرتبطة بخدمات تؤديها الإدارة العامة، ثم جرى تحصيل هذه الأموال وإيداعها وصرف أجزاء منها على تعويضات ومشتريات وتجهيزات ونفقات مختلفة.
الملف الأول يتعلق بالمرسوم رقم 11311 تاريخ 15/5/2023، المرتبط بمعاملات معادلة شهادات الطلاب العراقيين، أو ما يعرف بملف البروتوكول العراقي، فيما يتعلق الملف الثاني بالمرسوم رقم 13855 تاريخ 21/8/2024 الخاص بتمويل نفقات امتحانات الكولوكيوم. ولا يجوز الخلط بين الملفين أو التعامل معهما كواقعة واحدة. لكل منهما مصدره وآلية تحصيله ومستفيدوه ونفقاته، لكنهما يلتقيان عند إشكالية قانونية واحدة بالغة الخطورة: إدارة أموال مرتبطة بمرفق عام بالدولار الأميركي خارج المسار التقليدي للخزينة العامة، ثم استعمالها في دفع التعويضات وتمويل مشتريات ونفقات الإدارة.
مرسوم البروتوكول العراقي: خمسون دولاراً عن كل ملف
بموجب المرسوم رقم 11311/2023، استوفي مبلغ خمسين دولاراً أميركياً عن كل ملف معادلة تعدّه مؤسسة التعليم العالي الخاصة وتقدمه إلى أمانة سر لجنة المعادلات في وزارة التربية والتعليم العالي.وبحسب الآلية المحددة، تتولى الجامعات والمؤسسات التعليمية إعداد لوائح بأسماء الطلاب والمبالغ المستوفاة، ثم إيداع الأموال لدى شركة تحويل أموال تحددها المديرية العامة للتعليم العالي.ولم تقتصر وجهة الأموال على تكاليف إنجاز الملفات، بل أجاز المرسوم دفع تعويضات للجان والموظفين المشاركين في أعمال المعادلات، وتخصيص ما لا يزيد على أربعين في المئة من الأموال لتغطية حاجات المديرية العامة للتعليم العالي من اللوازم والتجهيزات، فضلاً عن إمكان استعمال الفائض في تمويل أعمال ووحدات ولجان أخرى. أي أن المرسوم أنشأ فعلياً دورة مالية كاملة بالدولار: الطالب يدفع، الجامعة تستوفي، الأموال تودع لدى شركة تحويل، ثم تتحول إلى تعويضات ومشتريات ونفقات.وهذا وحده يوجب إعادة بناء الحساب منذ أول دولار قبض وحتى آخر دولار صرف.
مرسوم الكولوكيوم: عشرون دولاراً عن كل مرشح
أما المرسوم رقم 13855 تاريخ 21/8/2024، فاعتمد آلية مشابهة لامتحانات الكولوكيوم، عبر استيفاء عشرين دولاراً أميركياً عن كل خريج يتوجب عليه اجتياز الامتحان، على أن تقوم مؤسسات التعليم العالي بإعداد اللوائح وإيداع الأموال لدى شركة تحويل أموال تحددها المديرية العامة للتعليم العالي. وأجاز هذا المرسوم بدوره دفع تعويضات لرؤساء وأعضاء اللجان الفاحصة والموظفين المعنيين، كما سمح بتخصيص ما يصل إلى أربعين في المئة من الأموال لشراء المواد واللوازم والتجهيزات اللازمة للامتحانات.
واللافت أن الأسباب الموجبة للمرسوم أشارت إلى أن عدد المرشحين للدورة الأولى من امتحانات الكولوكيوم لعام 2024 كان مقدراً بنحو 3049 مرشحاً، بما يتيح نقطة انطلاق حسابية مباشرة لمطابقة عدد المرشحين بالأموال التي كان يفترض تحصيلها فعلياً.إذن نحن لسنا أمام صندوق واحد أو واقعة مالية واحدة، وإنما أمام مسارين ماليين بالدولار استمرا خلال أكثر من سنة وارتبطا بآلاف المعاملات والمرشحين.وهذا ما يجعل التدقيق القضائي والمالي أمراً لا يمكن تجاوزه.
ديوان المحاسبة حسم طبيعة هذه الأموال
لا يمكن الدفاع عن هذا النظام بالقول إن الأموال «هبات» وبالتالي لا تخضع للقواعد العادية للمال العام. فالرأي الاستشاري رقم 39/2025 تاريخ 13/5/2025 الصادر عن ديوان المحاسبة تناول تحديداً الأموال المتأتية عن المرسوم رقم 11311/2023، وقرر أن الهبة تدخل في واردات الموازنة وتصبح جزءاً منها، وأن تخصيصها لوجهة إنفاق معينة يستوجب فتح الاعتمادات اللازمة بقيمتها، كما أكد أن الأموال المخصصة لشراء اللوازم والتجهيزات تخضع لأحكام قانون الشراء العام. وهنا تقع النقطة القانونية الجوهرية. فإذا كانت هذه الأموال أموالاً عامة، فإنها لا تتحول إلى مال متروك للإدارة لمجرد أنها مودعة لدى شركة تحويل أموال وليس في صندوق الخزينة. ومكان وجود المال لا يبدل طبيعته القانونية. وبالتالي فإن كل إنفاق منها يجب أن يخضع للقواعد ذاتها التي تحكم إنفاق أي مال عام: تحديد الاعتماد، إثبات الحاجة، تطبيق قانون الشراء العام، الرقابة، الاستلام، الجرد، التصفية والدفع.
وجود فاتورة لا يشرعن الشراء
الأهم أن التحقيق لا يجوز أن يقع في الفخ التقليدي المتمثل بطلب الفواتير، والتأكد من وجودها ثم اعتبار الملف سليماً. قانون الشراء العام لا يبدأ بالفاتورة ولا ينتهي بها. فالشراء العام عملية قانونية متكاملة تبدأ بتحديد الحاجة وتأمين الاعتماد وإعداد المواصفات والقيمة التقديرية واختيار طريقة الشراء، ثم المنافسة أو التلزيم والتعاقد والتنفيذ، وتنتهي بالاستلام والمراقبة وتصفية النفقة والدفع والنشر والجرد. ولهذا فإن مجرد وجود فاتورة أو عرض سعر أو إيصال قبض لا يعوض عن عدم اتباع هذه الإجراءات. والإخبار يطلب إعادة فحص كل عملية شراء لمعرفة من حدد الحاجة والمواصفات، ومن اختار المورد، وكيف تم التلزيم، ومن استلم، ومن صدّق، ومن أجاز الدفع. إذا كانت المشتريات قد تمت مباشرة من الأموال المودعة لدى شركة التحويل ومن دون المرور بالمسار الذي يفرضه قانون الشراء العام، فنحن لا نكون أمام نقص شكلي في الملف، بل أمام مسألة تمس مشروعية أصل الإنفاق.
التحقيق في كل دولار دفع كتعويض
الشق الآخر الذي يفرض التحقيق هو التعويضات. لا يكفي أن تظهر أسماء موظفين أو أعضاء لجان على لوائح الدفع. يجب تحديد قيمة ما قبضه كل شخص فعلياً، وصفته، والعمل الذي أنجزه، وعدد المعاملات التي عالجها، والفترة التي عمل خلالها، ومجموع ما حصل عليه من الأموال المتأتية من المرسومين. كما يقتضي تحديد من وضع معايير توزيع التعويضات، ومن اقترح أسماء المستفيدين، ومن حدد قيمتها، ومن وافق عليها، ومن أصدر أوامر التحويل. والأهم التحقيق في أي حالة يكون فيها الشخص المستفيد من الأموال قد شارك بنفسه في وضع قواعد توزيعها أو تحديد قيمة التعويض الذي عاد وتقاضاه، لما ينطوي عليه ذلك من شبهة تضارب مصالح واستثمار للوظيفة تستوجب التحقق القضائي.
ماذا عن الحوالات المسجلة بأسماء موظفين؟ الإخبار يثير نقطة أشد خطورة، تتمثل في احتمال وجود توزيعات مالية وهمية أو صورية. ولهذا يطالب بألا يكتفى بلوائح المديرية، بل بمطابقة كل حوالة مع البيانات الأصلية لدى شركة تحويل الأموال، والاستماع إلى الشخص الذي سجلت الحوالة باسمه لمعرفة المبلغ الذي قبضه فعلياً والعمل الذي أداه، والتحقق مما إذا كان قد أعاد كامل المبلغ أو جزءاً منه إلى مسؤول أو موظف أو وسيط آخر.وهذا التدقيق أساسي، لأن المستفيد الظاهر في مستند التحويل قد لا يكون بالضرورة المستفيد الاقتصادي الحقيقي النهائي من المال.
ومن هنا يصبح طلب كامل حركة الحسابات والحوالات من شركة التحويل إجراءً أولياً لا غنى عنه، منذ أول إيداع وحتى آخر عملية قبض، مع تحديد اسم القابض ومكان القبض وتاريخه وقيمة العمولة والجهة التي أصدرت أمر الدفع.
غرف منامة وتجهيزات ونفقات خاصة
أما الجانب الذي يستحق تحقيقاً مستقلاً، فهو ما ورد في الإخبار عن استعمال جانب من الأموال في تجهيز غرف منامة أو إقامة أو استراحة، وشراء مفروشات ولوازم وتجهيزات مرتبطة بها. هذا الأمر لا يمكن تسويته بإبراز الفواتير. يتوجب تحديد مكان هذه الغرف، ومن يستخدمها، ومن أصدر قرار تجهيزها، وما الحاجة الإدارية التي بررت ذلك، وما هي الموجودات التي اشتريت، وهل أدخلت في سجلات جرد الدولة، وما إذا كانت تلك المشتريات خضعت أصلاً لقانون الشراء العام. وإذا ثبت أن المال العام استعمل لتوفير منفعة خاصة غير مرتبطة بحاجة المرفق، فإن المسألة تنتقل حكماً من دائرة الخيار الإداري إلى دائرة المسؤولية المالية والجزائية بحسب طبيعة كل واقعة.
الجرد المادي هو الفيصل
لا يكفي التحقيق الورقي. يجب الدخول إلى المديرية وإجراء جرد مادي فعلي لكل جهاز ومفروشات وتجهيز دفعت أثمانه من أموال المرسومين. يجب أن يكون لكل قطعة مكان ورقم جرد وجهة مستعملة، وأن تطابق الكمية والمواصفات والفاتورة ومحضر الاستلام.
وقد طلب الإخبار صراحةً إجراء جرد شامل ومطابقة الموجودات مع ملفات الشراء والفواتير ومحاضر الاستلام وسجلات الجرد، والتحقيق في كل تجهيز مدفوع الثمن وغير موجود أو مستعمل لغير الغاية التي اشتري من أجلها.
لا بد من فتح الشق الضريبي أيضاً
هناك أيضاً الأموال التي حصل عليها الموظفون وأعضاء اللجان كتعويضات. هذه المبالغ لا يجوز أن تبقى خارج التدقيق الضريبي.يتوجب تحديد مجموع ما حصل عليه كل شخص في كل سنة، والتوصيف الضريبي الذي أعطي لهذه الأموال، وما إذا تم التصريح عنها، وما هي الضرائب والاقتطاعات التي كانت متوجبة، ومطابقة بيانات وزارة المالية مع لوائح المديرية وكشوف شركة التحويل.
فالتحقيق المالي الجدي لا يتوقف عند صرف المال، وإنما يتابع أثره حتى المستفيد النهائي والموجبات القانونية والضريبية المترتبة عليه.
المسؤولية شخصية ولا تستثني أحداً
لا يجوز تحويل هذا الملف إلى محاكمة سياسية أو إعلامية سابقة للتحقيق.لكن في الوقت نفسه لا يجوز حماية أحد خلف اسم«المديرية».المسؤولية الجزائية شخصية. ولهذا يجب تحديد الفترة الزمنية لكل واقعة، ومن كان صاحب الصلاحية خلالها، ومن اقترح القرار ومن وقعه ومن نفذه ومن أمر بالتحويل أو الشراء ومن تسلم ومن استفاد.
والإخبار يشدد على أن المسؤولية يجب أن تشمل جميع من تعاقبوا على إدارة الملفات المرتبطة بالمرسومين، على أن تحدد مسؤولية كل شخص بحسب أفعاله وتوقيعاته والقرارات التي اتخذها أو شارك فيها. لهذا يجب أن تتحرك النيابة العامة بعد وصول إخبار بهذه الوقائع إلى النيابة العامة التمييزية، لم تعد القضية مجرد مادة إعلامية أو تقرير إداري. فالوقائع المثارة تتناول احتمال وجود اختلاس وهدر وغش في إدارة أموال الدولة، واستثمار وظيفة، وتزوير واستعمال مزور، واحتيال، ومخالفات لقانون الشراء العام، إضافة إلى احتمال وجود شق متعلق بتبييض الأموال متى ظهر أن أموالاً ناتجة عن أفعال جرمية أعيد تحويلها أو أخفي المستفيد الحقيقي منها.
ولا يعني ورود هذه الأوصاف أن الجرائم قد ثبتت. لكنه يعني أن التحقيق أصبح واجباً لتثبيت الوقائع أو نفيها. والنيابة العامة أمام ملف يسمح بتتبع المال بصورة موضوعية ومباشرة. فهناك عدد معاملات، وقيمة محددة لكل معاملة، ولوائح جامعات، وحسابات شركة تحويل، وأسماء مستفيدين، وفواتير، وموردون، ومحاضر استلام، وسجلات جرد. أي أن الحقيقة المالية قابلة لإعادة البناء.
المطلوب ليس تحقيقاً شكلياً
التحقيق الجدي يجب أن يشمل كل ما ورد في الإخبار بلا استثناء. يبدأ بطلب الملف التنفيذي الكامل للمرسومين رقم 11311/2023 و13855/2024، والقرارات والمذكرات والتعليمات المتعلقة بهما، وضم كامل ملف رأي ديوان المحاسبة رقم 39/2025، والاستعلام عما قامت به النيابة العامة لدى الديوان بعد إحالة الملف إليها.
ثم يتوجب الحصول من شركات تحويل الأموال على جميع عمليات الإيداع والسحب والتحويل والقبض، وطلب بيانات الجامعات عن عدد الطلاب والمرشحين والمبالغ المستوفاة، ومطابقتها مع سجلات المديرية.
ويجب إعداد كشف اسمي بكل شخص قبض تعويضاً، مع قيمة كل دفعة، والتحقيق في أي توزيع وهمي أو صوري، وإجراء التدقيق الضريبي، وتحديد قيمة الأموال المخصصة للتجهيزات، وضبط ملفات المشتريات، والتحقق من تطبيق قانون الشراء العام، وإجراء جرد فعلي للموجودات. كما يجب تحديد أصحاب الشركات والموردين والمستفيد الاقتصادي الحقيقي منها ومقاطعة أسمائهم مع المسؤولين والموظفين وأعضاء اللجان، للتحقق من أي تضارب مصالح أو منفعة مباشرة أو غير مباشرة. ويجب، في نهاية التحقيق، تحديد قيمة كل مال عام ثبت هدره أو صرفه خلافاً للقانون، واتخاذ التدابير اللازمة لتعقبه واسترداده، وتحديد المسؤولية الشخصية لكل من شارك في اقتراح أو اتخاذ أو تنفيذ أو تغطية أي فعل غير مشروع.
القضية أكبر من مديرية التعليم العالي
الأخطر في هذا الملف أنه يقدم نموذجاً عما يمكن أن تصبح عليه الإدارة اللبنانية عندما تتحول الظروف الاستثنائية إلى نظام دائم.تبدأ المسألة بعجز الدولة عن دفع رواتب كافية، ثم يسمح باستيفاء دولارات لقاء معاملة،ثم تتحول الدولارات إلى تعويضات، ثم تمول منها التجهيزات، ثم تنشأ مشتريات، ثم يصبح لدى الإدارة مسار مالي كامل موازٍ للموازنة والخزينة، وهكذا ينقلب الاستثناء إلى قاعدة. إن السماح لأي إدارة بأن تجبي مالاً عاماً وتحفظه خارج الخزينة وتحدد المستفيدين منه وتدفع التعويضات وتشتري التجهيزات من المصدر المالي نفسه، من دون رقابة صارمة ومسبقة ولاحقة، يضرب في الصميم فكرة الدولة المالية الواحدة.ولهذا فإن ملفي البروتوكول العراقي والكولوكيوم لا يجوز إقفالهما بتفسير إداري ولا بتسوية حسابية.هما يحتاجان إلى تحقيق قضائي ومالي كامل يعيد تكوين حركة كل دولار منذ لحظة تحصيله وحتى وصوله إلى المستفيد النهائي منه.إما أن يثبت التحقيق أن الأموال جُبيت وأديرت وصرفت وفق القانون، وعندها تسقط الشبهات.وإما أن تظهر مخالفات أو أفعال جرمية، وعندها يجب تحديد المسؤوليات واسترداد الأموال وملاحقة المسؤولين. أما ترك الملف مُعلقاً، رغم كل ما ورد في الإخبار من وقائع قابلة للتحقق ومستندات قابلة للضبط وحوالات قابلة للتتبع، فلا يعود حياداً. بل يصبح امتناعاً عن معرفة ما جرى للمال العام.
"ليبانون ديبايت" - باسمة عطوي
- شارك الخبر:
