بين ضغط واشنطن وصعود دمشق: لبنان على هامش التسويات المقبلة
يشهد المشهد اللبناني لحظة حرجة تتشابك فيها الضغوط الخارجية مع الشلل الداخلي، في ظل تحولات إقليمية كبرى تضع بيروت على المحك. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو العاصمة الأمريكية لاستقبال الرئيس السوري أحمد الشرع في زيارة تاريخية تعلن عن إعادة تأهيله دولياً، يصل إلى قصر بعبدا وفد رفيع المستوى من وزارة الخزانة الأميركية. هذا التزامن ليس محض صدفة؛ بل هو جزء من استراتيجية أمريكية ضاغطة تهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة، وتضع ملف سلاح حزب الله كأولوية قصوى على طاولة الحكومة اللبنانية، مطالبةً إياها بـ"الوفاء بالالتزامات المقطوعة" لحسم هذا الملف الذي بات يهدد الاستقرار برمته.
إن الضغط الأمريكي المتزايد يستمد قوته من التخوفات الإقليمية المتعاظمة، خاصة مع تعاظم القلق اللبناني من تصعيد عسكري إسرائيلي وشيك قد يصل إلى مستوى "حرب شاملة". ومع ذلك، تظل قدرة السلطة اللبنانية على الاستجابة لهذه الضغوط شبه معدومة، إذ يكشف مسار الأشهر العشرة الماضية عن عجز حكومي شامل؛ حيث فشل المعنيون في ترجمة العناوين الإصلاحية المعلنة إلى إنجازات ملموسة. هذا الشلل ليس سياسياً فحسب، بل هو انعكاس واضح لإفلات سلطة الدولة من زمام القرار، سواء تعلق الأمر بتنفيذ مقرراتها الخاصة بسلاح حزب الله، أو حتى بضبط ملف السلاح الفلسطيني المنتشر، الذي أودى مؤخراً بحياة شاب بريء ضلّ طريقه، في دليل صارخ على فوضى أمنية خارجة عن السيطرة.
تأتي زيارة الشرع إلى واشنطن لتؤسس لمرحلة جديدة، إذ تمثل نقطة تحول استراتيجية تتخطى حدود سوريا وتُعد دليلاً على نجاح قيادته الجديدة في استعادة المكانة الدولية، بعد عقود من العزلة والتوتر. هذه الزيارة، التي تحمل دلالات اعتراف أمريكي بالقيادة السورية الجديدة، هي خطوة لا يمكن وصفها إلا بالإنجاز الدبلوماسي الذي يضع دمشق على طريق استئناف دورها المحوري الفاعل في قضايا الشرق الأوسط. هذا الإنجاز يعكس رؤية جديدة تهدف إلى إقامة شراكات أمنية وسياسية مستدامة في المنطقة، لكنه وفي الوقت ذاته، يضع لبنان في موقف تفاوضي أضعف، حيث يصبح الضغط الأمريكي لحل مشكلة السلاح جزءاً من ترتيبات أمنية أوسع تهدف إلى استقرار الحدود والنفوذ الإقليمي.
في الختام، يجد لبنان نفسه محاصراً بين التهديد الخارجي المتمثل في شبح الحرب والتحولات الإقليمية التي قد تتجاوزه، وبين الشلل الذاتي الذي يمنعه من اتخاذ أي قرار مصيري. إن مجيء وفد وزارة الخزانة الأميركية الرفيع المستوى إلى قصر بعبدا بهذه النبرة الحاسمة، وفي ظل هذه التطورات الإقليمية الكبرى، هو خير دليل على أن السلطة اللبنانية خسرت أوراق الدعم الخارجية، بل وتحولت من شريك يُدعم إلى جهة تُخضع للرقابة والضغط المباشر. هذا المشهد في بعبدا يكشف تآكلاً خطيراً في سيادة الدولة، حيث لم يعد المسؤولون اللبنانيون يتفاوضون على المساعدات أو الشراكات، بل يُطالبون بـتنفيذ التزامات مفروضة. ما لم تتغلب السلطة اللبنانية على عجزها وتستجمع الإرادة السياسية لحسم ملفات الأمن والسلاح، فإنها تخاطر بأن يتم تنفيذ الأجندة الإقليمية بالقوة، أو أن يتم تهميشها بالكامل في أي تسوية مستقبلية، لتصبح الدولة اللبنانية مجرد كيان يتلقى تداعيات ترتيبات تُصنع على موائد إقليمية أخرى بعيداً عن بعبدا.
- شارك الخبر:
