عاجل

image

"قمة ترامب-الشرع: التحول السوري و خريطة تداعياته الجيوسياسية

بقلم: هشام يحيى

تُعدّ الزيارة "التاريخية" للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى البيت الأبيض واجتماعه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحولاً زلزالياً تتجاوز تداعياته الحدود السورية، لترسم ملامح عصر جديد في الشرق الأوسط. هذا التحول لا يمثل فقط نهايةً لخمسة عقود من حُكم "سوريا الأسد" على قاعدة "الممانعة" والعداء لإسرائيل، بل يطلق أيضاً عملية "غربلة جيوسياسية" في المنطقة بأسرها.

 من "محور الممانعة" إلى "رجل السلام"

​كانت سوريا، تحت حكم آل الأسد، حجر الزاوية في "محور الممانعة"، ما جعلها مركز ثقل إقليمي يرتكز على المواجهة الأيديولوجية والعملية مع إسرائيل. وقد وظّفت دمشق هذا الدور لتبرير نفوذها في لبنان، وتعزيز علاقاتها بإيران وحزب الله.

التحول الذي يقوده الشرع:

​لقاء ترامب بالشرع، ووصف الأخير بأنه "من أشد دعاة السلام"، هو بمثابة إعلان أمريكي-سوري مشترك عن طي صفحة العداء المعلن لإسرائيل، وإن لم يتم توقيع اتفاقية سلام وشيكة.

​تزامن الزيارة مع الحديث عن "ترتيبات أمنية جديدة" بين سوريا وإسرائيل بوساطة واشنطن، يشي بالبدء بإنشاء منطقة عازلة جنوباً وتغيير قواعد الاشتباك.

​الهدف السوري المباشر هو رفع العقوبات الأمريكية المتبقية، خاصة قانون قيصر، لفتح الباب أمام الاستثمارات وإعادة الإعمار. مقابل هذا الدعم الاقتصادي، يتوقع أن تقدم دمشق تعهدات أمنية وإقليمية حاسمة.

تداعيات الزلزال السوري على المنطقة

​هذا التحول يضع الدول الإقليمية أمام مسارات جديدة، ويفرض عليها إعادة حسابات جذرية:

​1. إسرائيل 

​بالنسبة لإسرائيل، فإن وقف العداء السوري يعني تأميناً فعلياً لجبهة الشمال التي طالما كانت مهددة، ويفتح الباب أمام خيارات جديدة في الجولان المحتل. ومع ذلك، فإن القلق الإسرائيلي لا يزال قائماً تجاه أي نفوذ إيراني متبقي أو إمكانية استخدام الأراضي السورية من قبل جماعات أخرى.

​2. لبنان وحزب الله 

​تداعيات التحول السوري على لبنان هي الأكثر حساسية. فـ "سوريا الجديدة" المتحالفة مع واشنطن تُنهي تلقائياً دور دمشق كعمق استراتيجي لمحور المقاومة.

​حزب الله: يجد الحزب نفسه أمام تحدٍ وجودي، حيث تتقلص ركائز "الممانعة" الجيوسياسية. الضغط الأمريكي المتزايد عبر دمشق قد يدفع الحزب إلى مراجعة استراتيجيته في لبنان، أو على الأقل، تغيير العلاقة العملياتية مع الحدود السورية.

​السياسة اللبنانية: قد يفتح هذا التحول الطريق أمام انفراج في الأزمة اللبنانية، عبر رفع الحماية الإقليمية عن بعض الأطراف، أو بفرض تفاهم إقليمي-دولي جديد لن يستطيع لبنان الجديد الا الالتحاق به، مما يسهل عمليا الترتيبات الأمنية والعسكرية في لبنان على النسق السوري والتي تحظى بدعم واشنطن.

​3. إيران والعراق 

​يُمثل الابتعاد السوري عن المحور الإيراني ضربة قاصمة لـ "الهلال الشيعي" أو "الممر البري" الذي كانت تسعى طهران لتثبيته من طهران إلى بيروت. فكلما نجحت سوريا الشرع في الانخراط مع الغرب والمجتمع الدولي، سيتراجع النفوذ الإيراني أكثر. كما سيتأثر العراق، الذي يُشكل حلقة وصل برية رئيسية، وسيتعرض لضغوط أكبر للسيطرة على حدوده مع سوريا.

​4. مصر ودول الخليج 

​بالنسبة لدول الخليج ومصر، فإن الانضمام السوري إلى فلك الاعتدال، ووقف العداء لإسرائيل، يمثل انتصاراً لاستراتيجيتها الإقليمية. هذه الدول ستكون داعماً أساسياً لإعادة دمج سوريا اقتصادياً ودبلوماسياً، ما يعزز استقرار المنطقة ويُضعف نفوذ القوى الإقليمية المناوئة.

عصر "الواقعية الجيوسياسية"

في الخلاصة، ​ما يحدث ليس مجرد تغيير في الرئاسة السورية، بل هو إعادة تعريف لدور سوريا في المنطقة. لقد انتقلت سوريا من "محور الممانعة" إلى "محور السلام والواقعية". القمة بين ترامب والشرع هي بداية عصر جديد تُقدّم فيه المصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة على الأيديولوجيا، وتُجبَر فيه القوى الإقليمية على التكيّف مع معادلة جديدة عنوانها "سوريا الجديدة".

  • شارك الخبر: