عاجل

image

حكومة الانفصال عن الواقع… شراكة سياسية في تحميل الفقراء كلفة الفشل

بقلم: هشام يحيى

لم يعد ممكناً التعامل مع أداء حكومة نواف سلام باعتباره مجرد اختلاف في السياسات الاقتصادية أو في مقاربة الإصلاح المالي، بل بات نموذجاً صارخاً عن سلطة تعيد إنتاج أخطاء الماضي بثقة لافتة، وكأن الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي شهده لبنان لم يكن كافياً لاستخلاص أي دروس. فالحكومة الحالية لا تبدو معنية بإصلاح فعلي بقدر ما تبدو منشغلة بإعادة تدوير عقل مالي ضيق، يقوم على ترميم الأرقام في دفاتر الخزينة على حساب تدمير ما تبقى من قدرة المواطنين على الصمود.

النهج الذي تعتمده الحكومة يعكس انفصالاً واضحاً عن الواقع الاجتماعي، إذ تمضي في سياسة مالية تعتبر أن معالجة العجز يمكن أن تتم عبر الطريق الأسهل: فرض المزيد من الضرائب غير المباشرة. وهذه الضرائب، بطبيعتها، لا تميّز بين غني وفقير، بل تصيب الفئات الأضعف بشكل مباشر. زيادة الرسوم على البنزين، ورفع الضريبة على القيمة المضافة، وفرض رسوم إضافية على حركة الاستيراد، ليست مجرد إجراءات مالية، بل هي قرارات تمسّ تفاصيل الحياة اليومية للمواطن اللبناني، وترفع كلفة النقل والسلع الأساسية والخدمات، ما يؤدي تلقائياً إلى موجة تضخم جديدة يتحمل عبئها أصحاب الدخل المحدود.

الأخطر من مضمون هذه القرارات هو طريقة اتخاذها. فإقرار زيادات ضريبية بهذا الحجم، من خلال نقاشات سريعة وملفات مختصرة تُعرض خلال الجلسات، يكشف غياب الرؤية الاقتصادية الشاملة. فالإصلاح الحقيقي لا يُختزل بجمع الأموال بأي وسيلة، بل يفترض معالجة جذور الأزمة، بدءاً من مكافحة الهدر والفساد، مروراً بإصلاح القطاعات العامة، وصولاً إلى إعادة هيكلة الاقتصاد بما يعزز الإنتاجية وفرص العمل. أما اللجوء الدائم إلى جيوب المواطنين، فهو دليل عجز عن مواجهة مكامن الخلل البنيوي في الدولة.

ولا يمكن إعفاء القوى السياسية المشاركة في الحكومة من المسؤولية. فهذه القوى التي لطالما رفعت شعارات العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الشعبية، اختارت اليوم أن تكون شريكاً مباشراً في فرض سياسات تزيد الفجوة الطبقية. بعض هذه القوى حاول تقديم اعتراضات شكلية أو تحفظات إعلامية، إلا أن هذه المواقف تبدو أقرب إلى محاولات تبرئة سياسية لا أكثر، طالما أنها لم تترجم بمواقف حاسمة داخل مجلس الوزراء.

إن المفارقة الكبرى تكمن في أن الحكومة تبرر قراراتها بتمويل تحسين الأجور وتعويضات القطاع العام، لكنها في الواقع تعتمد على آلية تعيد توزيع الفقر بدل معالجته. فتمويل زيادات لفئات محددة عبر ضرائب تطال المجتمع بأكمله، يعني عملياً تحميل الطبقات الفقيرة والمتوسطة كلفة تصحيح اختلالات مالية تراكمت نتيجة سياسات خاطئة وسوء إدارة طويل الأمد.

ما يجري اليوم ليس مجرد خطأ اقتصادي عابر، بل استمرار لنهج قائم على المعالجات الترقيعية التي أثبتت فشلها مراراً. فالسياسات التي تعتمد الإيرادات السهلة والسريعة غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تخنق الاستهلاك وتضعف النشاط الاقتصادي، ما يؤدي لاحقاً إلى تراجع الإيرادات نفسها التي سعت الحكومة إلى تعزيزها.

إن المسؤولية الوطنية تفرض على الحكومة والقوى السياسية إعادة النظر جذرياً في مقاربتها للأزمة. فلبنان لم يعد يحتمل سياسات قصيرة النظر، ولا يستطيع مواطنوه تحمّل المزيد من الأعباء. الإصلاح الحقيقي يبدأ بإرادة سياسية جادة لمحاسبة الفاسدين، وضبط الإنفاق العام، وتحفيز الاقتصاد المنتج، وليس عبر فرض ضرائب جديدة على شعب أنهكته الأزمات المتلاحقة.
وفي ظل استمرار هذا النهج، تبدو الحكومة وكأنها تسير بعكس اتجاه الإنقاذ، ممعنة في تكريس نموذج اقتصادي يعاقب الفقراء ويحمي منظومة سياسية أثبتت عجزها عن بناء دولة عادلة وقادرة. والنتيجة المتوقعة ليست سوى تعميق الأزمة الاجتماعية وتوسيع دائرة الفقر، وهو ثمن لن يستطيع لبنان تحمّله طويلاً.

  • شارك الخبر: