عاجل

image

التحولات الدبلوماسية مقابل هاجس التصعيد: بيروت في انتظار الترياق الفرنسي-الأميركي

تتكثف الجهود الدبلوماسية في لبنان، في سباق محموم مع التهديدات العسكرية المتصاعدة التي تخيّم على الحدود الجنوبية وتضع البلاد بأسرها على مفترق طرق حرج. المشهد الحالي عبارة عن تقاطع بين دفع دولي متجدد ومخاوف جدية من الانزلاق إلى حرب واسعة، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الأجندات الخارجية على انتزاع بيروت من "عنق الزجاجة" السياسي والأمني.

 المبادرة الفرنسية: بين الإصرار ومحدودية النفوذ

​تُمثل الجولة المستمرة لمستشارة الرئيس الفرنسي حلقة في سلسلة جهود باريس المتواصلة لدعم الدولة اللبنانية، وهو نهج يؤكده رئيس حزب القوات اللبنانية بالإشارة إلى طرح الفرنسيين "أفكاراً معينة" والسعي نحو "تحقيق تقدم". لطالما اعتبرت فرنسا نفسها الشريك الأوروبي الأقرب والأكثر التزاماً تجاه لبنان، وهو ما يمنحها هامش مناورة أخلاقياً وتاريخياً.

​لكن السؤال التحليلي الأبرز يدور حول فعالية هذا الدفع. فهل تملك باريس، بأدواتها التقليدية، ما يكفي من نفوذ لإحداث خرق في الجدار المسدود؟ التحليل السياسي يشير إلى أن قدرة فرنسا على النجاح تظل مقيدة لسببين رئيسيين:

​التعقيد الإقليمي: الأزمة اللبنانية باتت متجذرة بعمق في المشهد الجيوسياسي الأوسع، وتتطلب مفاتيح حل تتجاوز بكثير القدرة الدبلوماسية الفرنسية المنفردة على التعامل مع اللاعبين الإقليميين الرئيسيين.

​تآكل Leverage الداخلي: لطالما اعتمد النجاح الفرنسي على رغبة القوى الداخلية في التعاون، وهو ما يفتقر إليه المشهد اللبناني حالياً بسبب الانقسام الحاد وجمود السلطة. فـ "الأفكار" الفرنسية، مهما كانت بناءة، قد تصطدم بصلابة المواقف الفئوية.

 التبدل الأميركي: سياسة حازمة وبوصلة جديدة

​في خضم هذا الترقب، سجل تطور دبلوماسي مهم بتمثّل وصول السفير الأميركي الجديد، ميشال عيسى، إلى بيروت. هذا التبدل في القيادة الدبلوماسية ليس مجرد تغيير روتيني؛ بل إنه يشير، وفقاً لأجواء العاصمة الأميركية، إلى إعادة معايرة للسياسة الأميركية تجاه لبنان.


​إن تبني السفير الجديد لـ "سياسة واضحة وحازمة" تجاه القضايا اللبنانية الأساسية يعني على الأرجح انتقالاً من الدبلوماسية الهادئة إلى مقاربة أكثر مباشرة وتركيزاً، لا سيما في ملفي الاستقرار الحدودي ومكافحة الفساد.
​والأكثر دلالة هو ما يتصل بمهمة المبعوث الأميركي السابق، توم باراك، الذي سيتفرغ لملف سوريا. هذا التحول يشير إلى:

​تخصيص الملفات: فصل الشأن اللبناني عن الشأن السوري إلى حد ما، وتركيز كل مبعوث على جبهته، مما يسمح بتطبيق سياسات أكثر تمايزاً.
​ربط التحدي: في الوقت ذاته، يظل الانسحاب من الملف اللبناني يعني أن الضغط الأميركي الأكبر قد يُمارَس من خلال البوابة السورية، لكون الملفين متداخلين استراتيجياً.

حافة الهاوية والرهان على تقاطع المصالح

​في الخلاصة، يقف لبنان الآن على حافة الهاوية، حيث تتجاور حقيبتان متناقضتان: الدفع الفرنسي المُركَّز على دعم مؤسسات الدولة، والحزم الأميركي المنتظر لمواجهة الملفات الشائكة.

​إن نجاح هذه الدبلوماسية المزدوجة لا يعتمد فقط على متانة "الأفكار" المطروحة، بل على قدرة واشنطن وباريس على خلق تقاطع مصالح إقليمي ودفع الأطراف اللبنانية إلى الاعتقاد بأن كلفة الاستمرار في الجمود السياسي أو التصعيد العسكري تفوق بكثير كلفة تقديم التنازلات.
​الجواب فعلاً "متروك للأيام المقبلة"، التي ستحسم ما إذا كانت القوة الناعمة والدبلوماسية الحازمة قادرة على طمأنة هاجس التهديدات العسكرية، أم أن "الجدار المسدود" أقوى من أي محاولة دولية لفتح ثغرة فيه.

  • شارك الخبر: