عاجل

image

بيروت في عين العاصفة: تناقضات دبلوماسية وشبح الحرب


خاص - تشهد بيروت حراكاً دبلوماسياً واقتصادياً مكثفاً يتزامن مع تصاعد مقلق في التهديدات الأمنية الإسرائيلية، ما يضع الساحة اللبنانية عند مفترق طرق حاسم. وقد عكست زيارة الأمير يزيد بن فرحان، وتسليم السفير الأمريكي الجديد أوراق اعتماده، صورة لضغط خارجي مزدوج – اقتصادي وسياسي – يهدف إلى دفع المسؤولين اللبنانيين نحو اتخاذ قرارات مصيرية، كل ذلك تحت سماء مثقلة بنذر جولة قتال جديدة.

الحساب السعودي: الاقتصاد كقناة للسياسة

​تكتنف مهمة الأمير يزيد بن فرحان في بيروت قدراً من الغموض المقصود، حيث تتداخل أهداف الدعم الاقتصادي مع الرسائل السياسية غير المعلنة. الظاهر من الزيارة هو الجانب الاقتصادي البحت، المتمثل في مشاركة الوفد السعودي في المؤتمر الاقتصادي-المالي المرتقب، والاجتماع الفني بشأن رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية. هذه الخطوات تشير بوضوح إلى أن الرياض تستخدم الملف الاقتصادي كرافعة أساسية في تعاملها مع لبنان.

​التحليل هنا يكمن في السؤال: هل الهدف الأساسي هو إعطاء "دفع عربي" لمؤتمر بيروت-1؟ على الأرجح أن المشاركة الاقتصادية السعودية ليست مجرد دعم بروتوكولي، بل هي إشارة مشروطة. إنها تضع الكرة في ملعب الحكومة اللبنانية، مطالبة إياها بتحقيق إصلاحات ملموسة تبرر استمرار الدعم العربي. الرسالة السياسية، التي لم تتضح مضامينها بعد، من المتوقع أن تكون استمراراً لموقف عربي جماعي يربط مساعدة لبنان بضرورة الخروج من حالة المماطلة والانهيار المالي. الزيارة إذاً هي عملية "سحب وإغراء"، حيث يُعرض الدعم الاقتصادي كحافز، بينما تُحجب الرسالة السياسية الصريحة كأداة ضغط لإجبار المسؤولين على الاستجابة.

الإنذار الأمريكي: فرصة أخيرة أم تداعيات سلبية؟

​في موازاة التحرك السعودي، حمل وصول السفير الأمريكي الجديد ميشال عيسى رسالة واشنطن الصارمة. على الرغم من الطابع البروتوكولي لزياراته، فإن ما نُقل عنه يكشف نفاد صبر واضح من الإدارة الأمريكية تجاه الأداء السياسي اللبناني. استغراب السفير من "مماطلة المسؤولين في اتخاذ قرارات معينة مطلوبة" هو إدانة مباشرة لحالة الشلل التي تعيشها مؤسسات الدولة.

​الأهم هو وضع لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: "إما أن يستفيد من الفرصة المتاحة، وإلا فإن على لبنان أن يتحمل كل التداعيات السلبية". هذه الصيغة لا تترك مجالاً للتأويل؛ إنها إنذار دبلوماسي. "الفرصة المتاحة" تشير غالباً إلى مسار الإصلاحات الضرورية للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وتفعيل المؤسسات، وإنهاء الفراغ الرئاسي. أما "التداعيات السلبية" فهي تنويع للضغوط، قد تشمل وقف المساعدات الدولية، أو فرض عقوبات على المعرقلين، أو ببساطة ترك لبنان لمصيره الاقتصادي المنهار. الدبلوماسية الأمريكية تستعمل الآن لهجة الإنذار النهائي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

شبح التصعيد: التهديد الأمني كعامل ضاغط

​تتعقد الصورة الدبلوماسية والاقتصادية بشكل خطير بفعل استمرار التهديدات الأمنية الإسرائيلية. نقلت صحيفة معاريف عن مصدر عسكري إسرائيلي أن تل أبيب اتخذت قراراً بعدم السماح بـ "تشكيل تهديد لإسرائيل"، والأخطر من ذلك هو تأكيد المصدر أن "جولة القتال الجديدة مع حزب الله مسألة وقت ليس إلا".

​هذا التهديد يرسم سياقاً بالغ الخطورة لكل الحراك في بيروت. فالضغوط الدبلوماسية والاقتصادية تجري تحت ظلال حرب وشيكة. هذا الوضع يطرح تحدياً وجودياً: كيف يمكن للمسؤولين اللبنانيين التركيز على الإصلاحات الاقتصادية والسياسية اللازمة عندما تكون أولوية الأمن القومي مهددة بشكل مباشر؟ كما أن التهديد الإسرائيلي يمنح بعض الأطراف الداخلية ذريعة إضافية للمماطلة، بذريعة عدم القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية في ظل توتر أمني غير مسبوق.

​ مفترق طرق حرج

في الخلاصة، ​إن التقاء الدبلوماسية السعودية المشروطة، والإنذار الأمريكي القاطع، مع التهديدات الإسرائيلية بالتصعيد، يدفع لبنان إلى مفترق طرق بالغ الحرج. النجاح في الاستفادة من "الفرصة المتاحة" يتطلب قراراً سياسياً لبنانياً داخلياً حاسماً، وهو قرار بات أكثر صعوبة في ظل الضغوط الخارجية المتباينة وشبح الحرب الذي يلوح في الأفق. مصير لبنان الاقتصادي والسياسي والأمني معلّق الآن على قدرة قيادته على تجاوز المماطلة التي استغربها السفير الأمريكي، قبل أن تتحول "مسألة الوقت" الإسرائيلية إلى حقيقة مدمرة.

  • شارك الخبر: