شبح "تطيير" الانتخابات.. رهينة ذهنية "الدولة العاجزة" ومصالح الفئوية
في غمرة التحديات الأمنية والتهديدات الإقليمية التي تتربص بلبنان، يبرز في المقلب الآخر من المشهد السياسي لغم آخر لا يقل خطورة، وهو لغم قانون الانتخاب. تتوالى التحذيرات من مصادر نيابية وسياسية مطلعة بأن هذا اللغم بات على وشك الانفجار بعد زيارة البابا، كاشفاً عن احتقان واسع يسود القوى السياسية حيال "استهلاك الوقت" و**"منع إحالة مشروع قانون الحكومة لتعديل قانون الانتخاب". هذه الممارسات لا تنذر فحسب بـ"انفجار سياسي وشيك"، بل تؤكد أن الاستحقاق الانتخابي ذاته بات مهدداً بالتطيير، رهينة لـتخبط الدولة العاجزة** التي لا تزال غارقة في وحول الذهنية القديمة، واضعة المصالح الضيقة والحسابات الفئوية فوق مصلحة لبنان واللبنانيين.
التواطؤ على التأخير: مؤشر على ذهنية مهترئة
يُعدّ الانتقاد اللافت الذي وجهه رئيس لجنة الإدارة والعدل، النائب جورج عدوان، لرئيسي مجلس النواب والحكومة، نبيه بري ونواف سلام، اتهاماً صريحاً بـ**"التواطؤ على تأخير إرسال مشروع الحكومة إلى المجلس"**. هذا الاتهام ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو مؤشر صارخ على منهجية معتمدة هدفها تعطيل الاستحقاقات الدستورية والإبقاء على الوضع الراهن الذي يخدم مصالح فئة محددة على حساب الوطن.
"خلل بموعد الانتخابات": تحميل عدوان المسؤولية لرئيس مجلس النواب والمجلس عن أي خلل في موعد الانتخابات، بعد إرسال الحكومة مشروعاً "معجلاً"، يكشف عن مراوغة سياسية واضحة. إن تعطيل إحالة المشروع إلى الهيئة العامة مباشرة، وتأخيره لـ"20 يوماً"، هو تكتيك مكشوف لتضييع الوقت، وتأكيد على أن "النهج الجديد ليس إلا استمرارية للنهج القديم". هذه المكتيكية لا تعكس سوى ذهنية "الدولة العاجزة" عن اتخاذ قرارات حاسمة، والتي تفضل التخبط والتعطيل على المضي قدماً نحو التغيير.
"عدم احترام مسار العجلة": تعليق عدوان على "نواف سلام" وتحمسه للموضوع، ثم اتهامه بعدم احترام مسار العجلة، يشير إلى أن حتى الشخصيات التي يُفترض بها دفع عجلة الإصلاح تُسحب إلى دوامة التعطيل أو تُتهم بالتواطؤ عليه، مما يعمق أزمة الثقة في المنظومة السياسية برمتها.
التضييق على المشاركة: هجمة على الديمقراطية
يزداد المشهد قتامة مع ما اعتبره عدوان "حملة على غير المقيمين تهدف لمنعهم من التصويت"، واصفاً ذلك بـ**"أمر غير عادل"**. هذه المحاولة، إن صحت، ليست مجرد تعديل إجرائي، بل هي ضربة مباشرة لمبدأ الشمولية الديمقراطية وحق اللبنانيين المنتشرين في العالم بالمشاركة في رسم مستقبل بلادهم.
مصالح فئوية ضيقة: إن التضييق على مشاركة غير المقيمين، الذين غالباً ما يمثلون شريحة أوسع وأكثر تطلعاً للتغيير وبعيداً عن الضغوط المحلية، يشي بأن القوى المتنفذة تسعى إلى تحصين نفوذها وتضييق قاعدة الناخبين لضمان بقائها في السلطة، متجاهلة بذلك مصلحة لبنان الكبرى في تجديد دمائه السياسية. هذه الذهنية الفئوية التي تضع الحسابات الانتخابية الضيقة فوق الحقوق الدستورية للمواطنين هي بيت الداء في الأزمة اللبنانية.
"تطيير" الاستحقاق: الثمن الباهظ للتعطيل
إن "التأخير الذي حصل من قبل سلام وبري ومجلس النواب" ليس مجرد تأخير إداري، بل هو تهديد فعلي لـ"تطيير" الاستحقاق الانتخابي. فكل يوم يمر دون إقرار قانون انتخابي عادل وواضح يقلل من فرص التحضير السليم للانتخابات، ويزيد من احتمالية اللجوء إلى التمديد أو الفراغ، وهما نتيجتان كارثيتان تزيدان من تعقيدات الأزمة اللبنانية.
عجز الدولة: هذا السيناريو يؤكد أن الدولة اللبنانية، بمؤسساتها وقادتها، لا تزال عاجزة عن الخروج من دائرة المصالح الضيقة والاصطفافات التقليدية. إنها غارقة في وحول الذهنية القديمة التي تُفضل الحفاظ على المكاسب الآنية لفئات معينة، حتى لو كان الثمن هو تدمير ما تبقى من أمل في التغيير الديمقراطي.
دعوة للتغيير: دعوة عدوان "جميع اللبنانيين إلى بذل كل الجهود لتغيير النهج القائم" هي صرخة في وجه هذا التخبط. إنها تؤكد أن الحل ليس في انتظار "حسن النوايا" من الطبقة السياسية الحالية، بل في ضغط شعبي وسياسي حقيقي يفرض التغيير ويُعيد بوصلة الدولة نحو مصلحة الوطن والمواطن.
في ظل هذا المشهد القاتم، يبدو أن الاستحقاق الانتخابي في لبنان ليس مجرد عملية تقنية، بل هو مرآة تعكس أزمة وجودية للدولة اللبنانية. إن تخبطها وعجزها، وتمسك قواها السياسية بذهنية المصالح الفئوية الضيقة، يهدد بـ"تطيير" هذا الاستحقاق الحيوي، ويدفع لبنان نحو مزيد من الفراغ والفشل. إن لم يتم كسر هذه الحلقة المفرغة، فإن شبح "الدولة العاجزة" سيظل يخيم على مستقبل لبنان، مانعاً أي أفق حقيقي للتغيير والإصلاح.
- شارك الخبر:
