عاجل

image

لبنان في جمهورية الابتزاز… والدستور وجهة نظر

لم يعد خافيًا على أحد أنّ لبنان يعيش اليوم في ما يمكن تسميته بـ«جمهورية الابتزاز»، حيث تصبح القوانين قابلة للتعطيل، والدستور خاضعًا للتأويل، والمؤسسات رهينة ميزان القوة لا ميزان الحق. في هذه الجمهورية، «كلّ شيء ممكن»، وكلّ ما هو غير قانوني يصبح واقعًا مفروضًا بقوة الأمر الواقع.

في هذا السياق، نجح رئيس مجلس النواب نبيه بري مجددًا في فرض إرادته، مبتزًّا الحكومة من جهة، والنواب الرافضين لحرمان اللبنانيين المنتشرين من حقهم في الاقتراع من جهة أخرى. ونتيجة هذا المسار، تتجه الأنظار إلى جلسة تشريعية يُرجّح انعقادها يوم غد، من دون أن يتضمّن جدول أعمالها لا اقتراح القانون المقدَّم من عدد من النواب بشأن اقتراع المنتشرين، ولا مشروع القانون الذي أقرّته الحكومة في الإطار نفسه.

ما يجري ليس تفصيلاً إجرائيًا ولا خلافًا تقنيًا، بل يشكّل فصلًا جديدًا من فصول اللاديمقراطية الممنهجة، وانتهاكًا صارخًا للقوانين وللأصول الدستورية داخل المؤسسة التشريعية نفسها. الأخطر من ذلك، أنّ هذا المسار يحصل في ظلّ استسلام واضح من قسم كبير من النواب، الذين يفضّلون الصمت أو المسايرة، ولا يجرؤون على رفع الصوت بوجه ممارسات رئيس السلطة التشريعية، أو على قول كلمة «لا» دفاعًا عن الدستور ودور المجلس النيابي.

أمام هذا المشهد، يبرز السؤال الجوهري: إلى متى يستمر هذا الانتهاك الفاضح لمفاهيم الدولة والمؤسسات؟ وإلى متى ستبقى «الدولة العميقة» ممسكة بمفاصل القرار، معطّلة ما تبقّى من أنظمة وقوانين، وماضية في دفع لبنان نحو مزيد من التفكك السياسي والدستوري؟

وبالتوازي مع هذا المسار، برزت اليوم ظاهرة انتخابية لا تقل خطورة، تمثّلت في تصاعد أصوات سياسية تطالب إمّا بتأجيل الانتخابات «تقنيًا» لمدة شهرين، أو بتأجيلها بحجة الظروف السياسية والأمنية لفترة قد تصل إلى سنتين. وهي دعوات تعيد إلى الأذهان أسوأ مراحل التلاعب بالمواعيد الدستورية، تحت عناوين فضفاضة تخفي حسابات الربح والخسارة لدى بعض أطراف المنظومة الحاكمة.

فهل عدنا فعليًا إلى مرحلة يصبح فيها الدستور مجرّد «وجهة نظر»، ويُختزل القانون بأداة تستخدمها السلطة وفق مصالحها؟ وهل باتت الانتخابات، التي تشكّل جوهر النظام الديمقراطي، ورقة ضغط إضافية في بازار التسويات الداخلية؟

ذلك هو المشهد اليوم في بيروت: دولة تُدار بالابتزاز، ومؤسسات تُفرغ من مضمونها، وديمقراطية تُستباح باسم التوافق حينًا، وباسم الظروف حينًا آخر، فيما يبقى المواطن، في الداخل والانتشار، الخاسر الأكبر.
  


 

  • شارك الخبر: