عاجل

image

بين الخطاب الرسمي والنص: استرداد الودائع أم شرعنة التجميد؟


ليست المشكلة في الوعود… بل في الفجوة بينها وبين النصوص

بقلم نبيل بونصر الدين (استاذ في الجامعة اللبنانية): 

حين تطرح السلطة قانونها لمعالجة الفجوة المالية وتخاطب الناس بعنوان «استرداد الودائع» وتضع حوله هالة العدالة والشفافية وحماية الطبقة المتوسطة، يتعيّن قراءة المشروع كما هو، لا كما يُرَوِّج له الرسميون.

إن المسودة المتداولة من مشروع قانون الانتظام المالي تُقدِّمها الحكومة كبداية مسار جديد. لكنّ تفكيك آلياتها يُظهر مسارًا آخر يتجلى في تقنين الخسائر، وتمديد زمن الأزمة، وتحويل حقّ المودع من مالٍ قابل للتصرّف إلى وعدٍ طويل الأجل، تتغير قيمته وفعاليته بحسب قدرة الدولة والمصرف المركزي على التنفيذ، وبحسب ما سيتوافر من أصول وإيرادات ومراسيم وتعاميم.

إن إصرار المقاربة الرسمية على التعامل مع الانهيار المالي وكأنه أزمة تقنية حدثت في دولة مستقرة نسبيًا، بمؤسساتها الدستورية الفاعلة وإدارتها العامة المتطورة والفعّالة، يمكن احتواؤها عبر قوانين مستقلة ونظريات اقتصادية مستوردة، ما هو سوى تجاهلٌ لكون أصل الكارثة بنيويًا، ناتجًا عن سنوات طويلة من الهدر المنهجي، والنهب الموصوف، والتواطؤ السياسي–المصرفي الذي دمّر المالية العامة وأسقط الثقة بالكامل بين المواطن والدولة.

إن الثقة بالنظام المصرفي اللبناني لا تُستعاد بخطابات ولا بمشاريع قوانين انتقائية، بل بمحاسبة قضائية فعلية تطال بالدرجة الأولى المسؤولين عن الانهيار، وفي طليعتهم من هندس السياسات المالية ومن راكم الأرباح غير المشروعة. غير أن ما يُطرح اليوم يأتي على العكس تمامًا من خلال سن قوانين معزولة تُطبّق باستنسابية، ولا يصب محتواها في خانة النهوض الحقيقي بالبلد والوصول به إلى دولة القانون والمؤسسات، ولا يساهم في إعادة الثقة المفقودة بالقطاع المصرفي.

وليس من السهل استعادة الثقة بالقطاع المصرفي، خاصة أن الثقة والمصرف توأمان لا ينفصلان عن بعضهما، ولأن انهيار الثقة المصرفية ترافق مع انهيار الثقة بالدولة وبالحكومة اللبنانية نتيجة الانهيار الكبير. وبالتالي لا استعادة حقيقية للودائع ولا تحكّم بالودائع دون أن يسبق ذلك ترميم الثقة، ليس فقط بالقطاع المصرفي، بل بالحكومة اللبنانية ومؤسساتها، وذلك باتخاذ مجموعة من الإجراءات والبدء بتطبيقها، ومن أبرزها:
أ- إصلاح القطاع العام، وبناء المؤسسات، وتطبيق القوانين الصادرة، ومكافحة التهريب الجمركي والتهرب الضريبي.

ب- البدء بتطبيق القانون 175/2020 (مكافحة الفساد في القطاع العام) والشروع في محاسبة قضائية للمرتكبين ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، والعمل على استعادة النزاهة في القطاع العام وتعزيزها بما يمكّن من استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها، والأهم ترسيخ الاقتناع بأن هذا البلد سيعود إلى موقعه الطبيعي بين الدول.

ج- تطبيق قانون الإثراء غير المشروع على موظفي القطاع العام من الفئة الرابعة وصولًا إلى الطبقة الحاكمة من وزراء ونواب وحتى رؤساء جمهورية، مع مفعول رجعي لا يقل عن 15 سنة. وتكمن أهمية تطبيق هذا القانون في أنه يعيد الثقة المتزعزعة بين المواطن والحكومة ويعيد الأمل بإمكانية قيام الدولة اللبنانية الحديثة، ويرمّم المنظومة الأخلاقية التي تشوهت بفعل الارتكابات الكثيرة الناتجة عن غياب تطبيق القوانين، كما أنه يساهم في تضييق الفجوة المالية من خلال شطب الودائع غير المشروعة بشكل عادل يعتمد على القانون لا على الاستنسابية أو المزاجية من جهة، ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمرتكبين والاستفادة منها في تعزيز ضمان الودائع وتمكين أصحابها من التحكم بها من جهة ثانية.

د- إقرار قانون مؤقت للكابيتال كونترول (بالرغم من تأخره لسنوات) ينظم السحوبات والتحويلات بما يخدم استعادة الثقة وترسيخها، وفي الوقت نفسه المحافظة على القطاع المصرفي.
هـ- تعزيز الشفافية والحوكمة بإقرار وتطبيق جميع القوانين التي تعززهما، ومنها تفعيل قانون الوصول إلى المعلومات، لما له من آثار كبيرة في تعزيز الثقة بالحكومة اللبنانية وبالاقتصاد اللبناني وبعمل المؤسسات العامة.

بالإضافة إلى إجراءات على مستوى القطاع نفسه، وذلك من خلال:

•    تطبيق القوانين المُقَرّة بشكل سليم، بدءًا من قانون السرية المصرفية وقانون إعادة هيكلة المصارف، وصولًا إلى إعداد قانون الانتظام المالي بشكل متناسق مع بقية القوانين المُقَرّة والتعاميم الصادرة، لا سيما القانون رقم 2/67 (إخضاع المصارف التي تتوقف عن الدفع لأحكام خاصة).
•    تطبيق تعميم مصرف لبنان رقم 532 الصادر بتاريخ 4/11/2019 المتعلق بزيادة الأموال الخاصة بنسبة 20%، والذي لم تطبقه معظم المصارف اللبنانية.

•    تفعيل القرار الأساسي 13262 المتعلق بالإجراءات الاستثنائية لإعادة تفعيل عمل المصارف العاملة في لبنان، خاصة في ما يتعلق بطلب المصارف من كبار المساهمين، وأعضاء مجلس الإدارة والإدارات العليا التنفيذية في المصارف، وعملاء المصارف من السياسيين، وكل من حوّل مبلغًا يفوق الخمسمائة ألف دولار أميركي أن يعيدوا إلى المركز ما بين 15% و30% من قيمة ما تم تحويله إلى الخارج منذ 1/7/2017. ومن شأن الالتزام بتطبيق هذا القرار أن يرسل إشارات إيجابية إلى الأسواق المحلية والدولية، كذلك للمودعين.

وعلينا ألا ننسى أن إعادة الثقة بالقطاع المصرفي أساسية لتفعيل الاستثمارات وتحريك النمو الاقتصادي، وللاستفادة من المدخرات التي تُقدَّر بمليارات الدولارات والمجمّدة في المنازل، إذ لا تتحول إلى أثرٍ اقتصادي فعلي إلا بعد ضخها في الاقتصاد الوطني. ومع بقاء الثقة مفقودة، تتجه الفجوة المالية إلى الاتساع سنة بعد سنة إذا أُقرّ مشروع «الفجوة المالية» بشكله الحالي. حتى تحويلات المغتربين السنوية من الخارج، والتي تُقدَّر بالمتوسط بسبعة مليارات دولار، فقدت وظيفتها في تحريك الدورة الاقتصادية لأنها بقيت خارج التداول: إما في المنازل أو كودائع في المصارف الأجنبية. كذلك، فإن استعادة الثقة بالمصارف تُعيد إلى مصرف لبنان جانبًا من فاعلية السياسة النقدية، عبر قدرته على إدارة الاحتياطي الإلزامي والتأثير في أسعار الفائدة.

إن مشروع قانون الفجوة المالية يقوم على فرز المودعين، ومعاقبة فئات محددة بذريعة الفوائد المرتفعة، من دون أي مساءلة حقيقية للسياسات الرسمية أو لأرباح المصارف التي راكمت الثروات ثم تخلّت عن مسؤولياتها عند الانهيار. إنها عدالة انتقائية، تُدين الحلقة الأضعف، وتُبرّئ الأقوى.
وفي ملف الشيكات المصرفية يستمر الخلل نفسه: تدخل الدولة والمصارف في علاقات بين مودعين، من دون تحمّل أي مسؤولية عن الخسائر، وفي الوقت الذي يُحاسَب فيه البعض على الأرباح غير المشروعة، يُترك المتضررون من الشيكات المصرفية لمصيرهم، في مشهد يعكس بوضوح ميزان القوى المختل لمصلحة المصارف.

ومن بين المغالطات التي ترد في الخطاب الرسمي، يبرز الحديث عن «وقف تدمير الطبقة المتوسطة»، وكأن إعادة الودائع ضمن مهلة أربع سنوات كفيلة وحدها بإعادة بناء هذه الطبقة، في حين أن النهوض الحقيقي يفترض إصلاحات بنيوية شاملة، تلك التي وُعد بها في البيان الوزاري، والتي أظهرت التعيينات الأخيرة كيف جرى الالتفاف عليها أو تطبيقها بشكل انتقائي.
كذلك، يكرّر الخطاب الرسمي عبارات رنّانة تُلبس المشروع صفة «المسار الجديد» القادر على وقف تآكل الودائع، وحماية الاستقرار الاجتماعي، ووضع حدّ للانهيار والفوضى التي أنهكت اللبنانيين، وإعادة بناء الثقة بالنظام المالي والمصرفي؛ فيما لا توفّر الوقائع والمقاربات المعتمدة حتى الآن أي ضمانات فعلية لتحقيق هذه الأهداف.

خلاصة القول إن ما يُسوّق اليوم على أنه مرحلة جديدة ليس سوى استمرار لنهج قديم: حماية المصارف، وتدوير الخسائر، وتأجيل حقوق المودعين. إنها سياسة مقنّعة بقوانين، وخطاب مزيّن بشعارات. أما الحقيقة، فهي أن لا حل للأزمة من دون محاسبة حقيقية، ولا عدالة من دون استعادة حق المودعين بالتحكم بأموالهم، ولا إنقاذ لاقتصاد يُبنى على إنقاذ من تسبّب بانهياره. وما لم تُكسر هذه المعادلة، ستبقى الودائع رهينة، والعدالة مؤجّلة، والدولة شريكة في الأزمة لا في الحل.

  • شارك الخبر: