عاجل

image

توقيف أشرف دبور... هل يتحول لبنان إلى أداة في صراعات السلطة الفلسطينية؟

لم يكن توقيف السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور حدثاً عادياً، ولا يجوز التعامل معه بوصفه مجرد إجراء قضائي تقني، بمعزل عن السياق السياسي الذي يحيط بالقضية. فهذه القضية، بما تحمله من أبعاد فلسطينية داخلية، تفرض على الدولة اللبنانية أعلى درجات الحذر، حفاظاً على سيادة القضاء اللبناني أولاً، وعلى سمعة لبنان كدولة تحترم القانون وحقوق الإنسان ثانياً.

إن لبنان، الذي لطالما دفع أثماناً باهظة نتيجة التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية، ليس معنياً بأن يصبح ساحة لتصفية الحسابات داخل السلطة الفلسطينية، ولا أن يتحول إلى أداة لتنفيذ نزاعات سياسية بين أجنحة الحكم في رام الله.
ولا يخفى على أحد أن القضاء في الأراضي الفلسطينية يواجه منذ سنوات انتقادات واسعة من مؤسسات حقوقية دولية ومحلية بشأن مدى استقلاليته، كما أن السلطة التنفيذية تعرضت لاتهامات متكررة بالتدخل في عمل المؤسسات القضائية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من المشروع التساؤل: هل يمكن ضمان محاكمة عادلة ومستقلة لأي شخص يُسلَّم إلى السلطة الفلسطينية؟

إن أي قرار بتسليم أشرف دبور يجب ألا يُبنى فقط على وجود مذكرة توقيف أو طلب استرداد، بل يجب أن يخضع لمراجعة دقيقة تضمن احترام المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة، والتأكد من أن الملاحقة ليست ذات دوافع سياسية، وأن حقوق الدفاع ستكون مكفولة بصورة كاملة.
ويتحمل القضاء اللبناني، قبل أي جهة أخرى، مسؤولية التحقق من هذه الضمانات، انسجاماً مع التزامات لبنان الدولية في مجال حقوق الإنسان، والتي تمنع تسليم أي شخص إذا وجدت أسباب جدية تدعو إلى الاعتقاد بأنه قد يتعرض لمحاكمة غير عادلة أو لانتهاكات جسيمة لحقوقه الأساسية.
كما أن على السلطات اللبنانية أن تدرك أن أي خطوة من هذا النوع لن تُقرأ فقط في إطار التعاون القضائي، بل ستُفسَّر أيضاً في ضوء الواقع السياسي الفلسطيني المعقد، حيث تتداخل الخلافات السياسية مع الملفات القضائية بصورة تثير الكثير من علامات الاستفهام.

إن احترام مبدأ استقلال القضاء لا يعني التسليم التلقائي بأي طلب استرداد يصدر عن أي دولة أو سلطة، بل يقتضي التحقق من توافر جميع الشروط القانونية والحقوقية، وفي مقدمتها استقلال القضاء في الجهة الطالبة، وضمانات المحاكمة العادلة، وعدم وجود دوافع سياسية للملاحقة.

إن حماية العدالة لا تكون بتنفيذ الطلبات دون تمحيص، بل بضمان ألا يتحول القضاء إلى وسيلة لتصفية الخصومات السياسية. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والقانونية تقتضي من لبنان أن يتعامل مع هذه القضية بمنتهى الاستقلالية والحياد، وأن يضع حقوق الإنسان وسيادة القانون فوق أي اعتبارات سياسية أو ضغوط خارجية.
فلبنان، الذي طالما قدّم نفسه دولة تحترم القانون والمواثيق الدولية، مطالب اليوم بأن يثبت ذلك عملياً، وأن يضمن ألا يُسلَّم أي شخص إلى جهة قد تفتقر، بحسب ما تذهب إليه تقارير وانتقادات حقوقية، إلى الضمانات الكافية للمحاكمة العادلة واستقلال القضاء. فهذه ليست قضية شخص واحد، بل قضية تتعلق بصورة العدالة اللبنانية ومكانة لبنان كدولة قانون.

 

  • شارك الخبر: