تسوية ربع الساعة الأخير... هل تُمرّر العفو العام اليوم؟
لم يكن قانون العفو العام وحده موضع النقاش في الجلسة المسائية لمجلس النواب. خلف أكثر من ساعة ونصف من المداخلات، ثم أكثر من نصف ساعة من المشاورات، كان السؤال الفعلي يتجاوز نص القانون نفسه: من يتحدث باسم الحكومة أمام مجلس النواب؟ وأين تنتهي صلاحية رئيس الحكومة، وأين تبدأ صلاحية وزير الدفاع حين يكون النقاش متصلاً بالجيش وشهدائه؟
انتهت الجلسة من دون التصويت على قانون العفو العام، لكن القانون لم يسقط. وعلى الأرجح، لم يكن ما جرى سوى تأجيل اضطراري لتسوية كانت لا تزال قيد الطبخ حتى اللحظة الأخيرة. ووفق معلومات "المدن"، جرى التفاهم على إعادة طرح قانون العفو العام للتصويت يوم الأربعاء، من دون أن يتولى وزير الدفاع ميشال منسى الكلام في الجلسة، على أن يُمرر القانون بصيغة معدلة، تتضمن خفض العقوبة المؤبدة المشمولة بالعفو إلى 12 سنة، مع إضافة توصيفات قانونية من قبيل "المشددة" و"المبرمة" إلى بعض العقوبات.
ووفق معلومات "المدن"، تهدف هذه التعديلات إلى تضييق نطاق المستفيدين من القانون، ولا سيما تأخير خروج الشيخ أحمد الأسير أو الحؤول دون استفادته من العفو، إلى جانب محكومين آخرين.
الجلسة التي كادت ألا تنعقد
منذ انتهاء الجلسة الصباحية، لم تكن المؤشرات توحي بأن النواب سيعودون إلى القاعة مساءً.
الخلاف الذي انفجر بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى جعل انعقاد الجلسة نفسها موضع شك. بعض النواب لوّح بعدم الحضور إذا لم يحضر وزير الدفاع، فيما تمسّك آخرون بأن رئيس الحكومة هو صاحب الصلاحية الدستورية في تمثيل الحكومة والتحدث باسمها.
لكن الجلسة انعقدت. حضر سلام، فيما غاب منسى، وبدأ المجلس من حيث انتهت الجلسة الصباحية. وهنا دخل قانون العفو العام إلى الاختبار الأصعب.
العفو ليس عفواً فقط
منذ طرح القانون، كان واضحاً أن النقاش حوله لن يبقى في حدود النصوص والعقوبات.
فالعفو العام في لبنان يفتح دفعة واحدة ملفات الحرب، والإرهاب، والاشتباكات، والموقوفين الإسلاميين، والاعتداءات على الجيش، والضحايا الذين لم تُغلق ملفاتهم، إضافة إلى حساسيات طائفية وسياسية تراكمت على مدى سنوات.
لذلك، لم تكن العقدة في مبدأ العفو بقدر ما كانت في حدوده: من يشمل؟ ومن يُستثنى؟ وما العقوبات التي يمكن تخفيضها؟ وكيف يمكن رفع الظلم عن فئات من دون أن يبدو القانون، في المقابل، وكأنه يطوي صفحة ضحايا الجيش والتفجيرات والاعتداءات عليه؟
من هنا جاء اعتراض إبراهيم كنعان، الذي شدد على حساسية الموضوع بالنسبة إلى الجيش، مطالباً بالاستماع إلى رأي وزير الدفاع، باعتباره ممثلاً لقيادة الجيش، وداعياً الحكومة ورئيسها إلى أخذ هذا الموقف في الاعتبار.
جبران باسيل ذهب أبعد في الاعتراض، قائلاً "رئيس الحكومة لا يمكنه أن يختزل الحكومة، ولا يحق لرئيس الحكومة أن يقول لوزير: لا تجاوب".
في المقابل، دافعت بولا يعقوبيان عن سلام، مشيرة إلى أن المجلس سبق أن استمع إلى موقف قيادة الجيش أكثر من مرة، وأن الدستور ينص على أن رئيس الحكومة يتحدث باسم مجلس الوزراء، وفق مبدأ التضامن الوزاري.
أما نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب، فحاول رسم منطقة وسطى: الحكومة تعبّر عن نفسها مجتمعة من خلال رئيسها، لكن الوزير الموجود في القاعة يحق له أيضاً أن يعبّر عن رأيه، كما حصل مع وزيري العدل والإعلام. والقانون، في النهاية، اقتراح نيابي، ومن حق النواب أن يسمعوا رأي الوزراء.
"مش 24 حكومة"... سلام يرد
في لحظة احتدام النقاش، تدخل رئيس الحكومة ليضع روايته لما حصل مع وزير الدفاع.
قال إن وزير الدفاع كان قد أعدّ كلمة حول قانون العفو، لكنه أبلغه بأنه سيتحدث باسم الحكومة عند طرح البند، مستنداً إلى المادة 64 من الدستور التي تنص على أن رئيس مجلس الوزراء "يمثلها ويتكلم باسمها".
ورفض سلام ما وصفه بالافتراء القائل إنه طلب من وزير الدفاع عدم حضور الجلسة، مؤكداً أن منسى "صديق عزيز" وأنه، مثله، حريص على الدستور ومبدأ التضامن الوزاري.
ثم قال العبارة التي لخصت جوهر الاشتباك " قد يكون من الغريب عليكم أن هناك حكومة متضامنة من 24 وزيراً".
ووفق سلام، فإن رأي قيادة الجيش في القانون سبق أن عُبّر عنه أمام اللجان النيابية عبر وزير الدفاع، بل إن الأخير سلّم مذكرة خطية بهذا الخصوص، قبل إقرار الصيغة النهائية للاقتراح.
أما الرسالة السياسية الأوضح، فكانت في تأكيده أن الحكومة لا تسمح بأن يُدفع بالجيش إلى موقع الفريق في أي خلاف سياسي، قائلاً إن الحرص على المؤسسة العسكرية لا يعني وضعها في مواجهة مع أي طرف لبناني.
وختم سلام بتحديد موقف حكومته من القانون بثلاث كلمات "العدالة، فالعدالة، فالعدالة"، تاركاً الكلمة الفصل للمجلس النيابي.
من لبنان إلى إسرائيل...
لكن النواب لم يتركوا القانون يمرّ من دون فتح الملفات القديمة. حسين الحاج حسن قال إن وزير الدفاع "مش جايي يمثل حاله"، مؤكداً أن حزب الله مع القانون الذي نوقش في اللجان، لكنه شدد على ضرورة أن يراعي "كل جوانب القضية". واستعاد تفجيرات الضاحية ومعارك عرسال، قائلاً إن للقضية جانباً آخر يتمثل في ضحايا التفجيرات وشهداء الجيش.
وفي الجهة الأخرى، قالت حليمة قعقور إن المطلوب إزالة الظلم عن بعض الإسلاميين، لكن من دون إنتاج "ديل طائفي" أو إيذاء الجيش أو وضع مجرمين بين اللبنانيين.
أما سامي الجميل، فاستغل النقاش لاستعادة ملف المبعدين إلى إسرائيل، مذكّراً باقتراح قانون عفو عنهم تقدم به في العام 2011 ولم يوضع، وفق قوله، على جدول الأعمال طوال 15 عاماً.
وقال بلال عبد الله إن المطلوب ألّا يشعر أي لبناني بأنه مستضعف، معتبراً أن القانون "إنساني ووطني وليس إسلامياً".
وفي خضم ذلك، حاول وضاح الصادق إعادة النقاش إلى أساسه، قائلاً الصادق "صار لنا ساعة عم نحكي عن شي ما صار"، ومشيراً إلى أنه لم يرَ وزير الدفاع يعترض أو يتحدث، رافضاً تصوير الأمر وكأن الوزير مُنع من دخول المجلس "عيب نقول وزير الدفاع منع من الدخول كأن في ميليشيات برّا عم تمنعهم"
لكن عبارة "ميليشيات برّا" أشعلت سجالاً جديداً، فرد حسين الحاج حسن، وتدخل علي مقداد قائلاً "ليش عم تعيط علينا؟".
ولم يتأخر فراس حمدان في الدخول على خط الاشتباك. وبينما قال إن هناك من لا يزال يتصرف كأن بشار الأسد لم يغادر سوريا إلى موسكو، أو كأن زيارة وزير الخارجية السوري لبري لم تحصل، ارتفعت نبرة التوتر في القاعة، قبل أن يرد حمدان بأنه لن يسمح لأحد بإسكاته.
وردّ شربل مارون عليه بوصفه من "زلم الرئيس"، مضيفاً "حاج كل شوي يهددنا، اشتاق لعنجر".
لكن حمدان عاد إلى جوهر النقاش، مدافعاً عن سلام، ومشدداً على أن وزير الدفاع يحظى بالاحترام، لكن الصلاحيات التي جرى الحديث عنها لا تعود إليه، وأن سوء التفاهم يمكن أن يحصل في أي مجلس وزراء من دون أن يتحول إلى استجواب لرئيس الحكومة.
ساعة ونصف... ثم بدأ البحث عن مخرج
بعد نحو ساعة ونصف من النقاش، لم يكن الخلاف قد حُسم. انسحب نواب من تكتل لبنان القوي وكتلة الوفاء للمقاومة قبل التصويت. فُتحت المشاورات، وتحول المجلس من منصة للمداخلات إلى غرفة تفاوض مفتوحة. كان بري يحاول إيجاد صيغة تسمح بالمضي في القانون.
النائب علي حسن خليل أعلن أن التوافق على صيغة القانون بات كاملاً، وقال إن كتلة التنمية والتحرير ملتزمة بما تم الاتفاق عليه، لكنها تريد حضور الجميع. وقال إن توجيهات بري هي الالتزام بما تم التوافق عليه، لكن مع ضرورة حضور جميع الأطراف.
أما بري، فكان أكثر مباشرة، قائلاً إنه مستعد للانتظار إذا حضر وزير الدفاع، شرط موافقة رئيس الحكومة. سلام ردّ بالتذكير بفصل السلطات، قائلاً إن الحكومة لا تتدخل في عمل المجلس، ومطالباً النواب بعدم التدخل في عمل الحكومة، مؤكداً أن رئيس الحكومة يشرف على عملها ولا يجوز لأحد المس بصلاحياتها.
في هذه الأثناء، دخل حسين الحاج حسن إلى القاعة لنقل موقف حزب الله ثم غادر، معلناً أن كتلة الوفاء للمقاومة جاهزة للتصويت على الصيغة التي خرجت بها اللجان، لكن القانون يحتاج إلى وفاق وطني، وأن نواباً غادروا، فيما تصر الكتلة على العودة "معاً".
وطلب من سلام أن يطلب من وزير الدفاع الحضور، مؤكداً أن كتلة الوفاء لا تزال خارج القاعة وجاهزة للمضي في الاقتراح.
يُناقش قانون العفو العام اليوم كبند أول على جدول الأعمال. وإذا نجحت التسوية التي يجري العمل عليها، فلن يكون القانون قد مرّ لأن الخلاف اختفى، بل لأن الأطراف وجدت صيغة يمكن لكل منها أن يقدّمها لجمهوره على أنها تراجع محسوب لا هزيمة.
تعديلات على العقوبات لطمأنة المؤسسة العسكرية، غياب وزير الدفاع عن الكلام في الجلسة لحفظ موقع رئيس الحكومة، وتمسك الكتل بالعودة إلى صيغة اللجان من دون التخلي عن اعتراضاتها.
وفي ربع الساعة الأخير، قد لا يكون المطلوب أن يتفق الجميع على القانون، بل أن يجد كل طرف ما يكفي من الأسباب ليصوّت عليه.
- شارك الخبر:
