حين يتلطّى القاضي خلف الإعلام… محمد شرف في موقع الطرف
بدأت القضية عندما أثار “ليبانون ديبايت” أسئلة قانونية حول إصرار القاضي المنفرد الجزائي في جونية محمد شرف على رفض طلبات وقف تنفيذ مذكرات توقيف غيابية بحق مدعى عليهم، رغم انتقال القضية إلى مرحلة المحاكمة وإبداء بعضهم استعدادهم للمثول وتقديم ضمانات لحضور الجلسات.
بدلاً من أن يأتي الجواب من القرارات وتعليلها، خرجت مجلة “محكمة” بمقال دفاعي وصف الانتقادات بأنها “حملة مضللة”، وأغدق المديح على شرف، فيما لم يحدد معلومة كاذبة واحدة نشرها “ليبانون ديبايت”، ولم يقدم دليلاً واحداً على وجود حملة أو سوء نية.
وهنا تبدأ المشكلة الفعلية. فالمقال، بنبرته وتفاصيله الداخلية، يبدو أقرب إلى مرافعة عن القاضي منه إلى مادة صحافية مستقلة. وإذا كان يعكس موقف شرف أو يستند إلى معلومات نقلها مباشرة أو بالواسطة، فإن القاضي يكون قد اختار الصمت أمام الرأي العام والكلام من خلف منصة إعلامية تهاجم منتقديه. وعندها لا يعود السؤال فقط عن مذكرات التوقيف، بل عن قاضٍ يغادر موقع الحكم ليدخل عملياً في موقع الطرف.
أما إذا لم يكن لشرف أي علاقة بالمقال، فعلى “محكمة” أن تشرح كيف بنت دفاعها: هل اطلعت على طلبات وقف التنفيذ؟ هل قرأت الضمانات المقدمة؟ هل اطلعت على أسباب الرفض؟ أم أن شهادة “النزاهة والاستقامة” أصبحت بديلاً عن التعليل القانوني؟ أخبار القناة
القاضي لا يحتاج إلى صحافي يدافع عنه. قراره هو الذي يجب أن يدافع عن نفسه.
ومذكرة التوقيف ليست عقوبة ولا وسيلة لإظهار الحزم. هي تدبير احترازي يفترض أن يبقى مرتبطاً بالضرورة. وبعد انتهاء التحقيق وانتقال الملف إلى المحاكمة، يصبح السؤال مشروعاً: لماذا يستمر التوقيف؟ وما الخطر الذي لا تستطيع الكفالة أو منع السفر أو أي ضمان آخر معالجته؟
صحيح أن محمد شرف يملك قانوناً صلاحية قبول الطلب أو رفضه، لكن الاستنساب القضائي ليس شيكاً على بياض. وإذا أصبح الرفض نتيجة ثابتة مهما تغيرت الظروف والضمانات، فنحن لا نكون أمام دراسة مستقلة لكل طلب، بل أمام موقف مسبق يجعل تقديم الطلب نفسه إجراء شكلياً.
أما محاولة إحاطة الملف بعبارات من نوع “هدر المال العام” و”تبييض الأموال” لإسكات النقاش، فلا تغير شيئاً في جوهر المسألة. توصيف الجرائم تحدده قرارات القضاء والمواد المسندة إلى المدعى عليهم، لا العناوين الإعلامية المشحونة. ولا يجوز استخدام خطورة الاتهام المفترضة لتبرير أي تدبير إلى ما لا نهاية.
والأخطر أن يصبح التدبير الذي يفترض أن يؤمّن مثول المدعى عليه هو نفسه ما يمنعه من المثول. فكيف ستتحقق العدالة إذا كان أحد الأطراف مطالباً بالدخول إلى السجن قبل أن يصل أصلاً إلى المحكمة ليسمع القاضي دفاعه؟ وكيف يعطي القاضي كل ذي حق حقه إذا كان نهجه يمنع أحد أصحاب الحقوق من الوقوف أمامه؟
محمد شرف ليس فوق النقد، ولا تصبح قراراته صحيحة لأن موقعاً إعلامياً شهد له بالنزاهة. وهيبة القضاء لا يحميها المديح ولا تخوين المنتقدين، بل القرار المعلل والشفافية والمساواة بين المتقاضين.
وإذا كان البعض يعتقد أن مقالاً دفاعياً سيقفل هذا الملف، فهو مخطئ. “ليبانون ديبايت” بدأ بطرح الأسئلة، لكنه لن يتوقف عندها. في الأيام المقبلة، سينشر الموقع المزيد من المعطيات والوثائق التي ستضع طريقة إدارة هذا الملف أمام الرأي العام، وعندها لن يكون المطلوب مديح محمد شرف أو الدفاع عنه، بل الإجابة عن الوقائع.
- شارك الخبر:
