كم دفع اللبنانيون ثمن العرقلة والكيدية في إدارة المياه؟
في لبنان، لا تنقصنا المياه… ينقصنا القرار.
كل عام، يستقبل لبنان ما بين 10 و12 مليار متر مكعب من الأمطار والثلوج. وفي المقابل، لا تتجاوز حاجته السنوية نحو ملياري متر مكعب للاستخدام الشخصي والزراعي والصناعي.
ومع ذلك، عندما يأتي الصيف، ينقطع الماء عن المنازل، ويبدأ المواطن بالبحث عن الصهريج.
كيف تحوّل المطر إلى أزمة؟ وكيف تحوّلت المياه إلى فاتورة إضافية على اللبناني؟
الجواب واضح: لأننا لا نخزّن ما يكفي من مياهنا.
بين حزيران ونهاية تشرين الأول، يعيش لبنان نحو خمسة أشهر من الجفاف بعد ذوبان الثلوج. وخلال هذه الفترة، تصل الحاجة إلى المياه إلى نحو 800 مليون إلى مليار متر مكعب.
كان يمكن تأمين جزء من هذه الحاجة من المياه الجوفية، فيما نحتاج إلى تخزين نحو 400 مليون متر مكعب لتغطية القسم الآخر.
لكن بدلاً من تخزين المياه في الشتاء، نتركها تذهب.
جزء كبير منها يتبخر، وجزء آخر يذهب إلى المياه الجوفية، فيما تذهب كميات ضخمة عبر الأنهر إلى البحر.
ثم، عندما يأتي الصيف، نشتري المياه نفسها بالصهاريج.
20 مليون صهريج!
لو اكتملت مشاريع تخزين المياه التي كانت مقررة وقيد التنفيذ، لكان لبنان قادراً على الوصول إلى قدرة تخزينية تقارب 405 ملايين متر مكعب.
ولنفهم حجم الرقم:
405 ملايين متر مكعب تعادل حمولة أكثر من 20 مليون صهريج، إذا اعتبرنا سعة الصهريج 20 متراً مكعباً.
تخيّلوا الرقم.
أكثر من 20 مليون حمولة صهريج من المياه كان يمكن تخزينها في منشآت عامة، بدلاً من أن تبقى حاجة المواطن رهينة للصهريج الخاص.
وإذا كان متوسط سعر الصهريج 50 دولاراً، فإن الكلفة المعادلة لهذه الكمية تصل إلى نحو مليار دولار.
وإذا كان سعر الصهريج 100 دولار، فنحن نتحدث عن ملياري دولار.
قد تختلف الأسعار بين منطقة وأخرى وبين موسم وآخر، لكن المعادلة الأساسية لا تتغير:
كلما فشلت الدولة في تأمين المياه، يدفع المواطن من جيبه.
أين ذهبت مشاريع السدود؟
لم تكن هذه المشاريع مجرد أفكار.
كان هناك عدد من السدود قيد التنفيذ أو التحضير، بينها:
سد جنة: 38 مليون متر مكعب، لتأمين المياه لكسروان الساحلية وجبيل والمتن والضواحي الشمالية لبيروت.
سد بقعاتا: 7 ملايين متر مكعب، لقرى المتن الأوسط.
سد المسيلحة: 6 ملايين متر مكعب، لقرى البترون والكورة.
سد بلعة: 1.5 مليون متر مكعب، للقرى العليا في جبيل والبترون.
أما سد بسري، فكان مصمماً لتأمين المياه لبيروت وضواحيها والقرى الزراعية الساحلية، أي لمنطقة يتجاوز عدد سكانها 1.6 مليون نسمة، مع توقع وصول العدد إلى نحو مليوني نسمة في عام 2035.
وكان المشروع قد قطع مراحل متقدمة، بينها إنجاز النفق المخصص لنقل المياه باتجاه بيروت، إضافة إلى استملاك الأراضي ودفع مبالغ كبيرة لأصحابها، فضلاً عن الدراسات والتصاميم والأعمال التحضيرية.
المفارقة اللبنانية
في قبرص، وهي دولة ذات ظروف مناخية وتضاريسية متقاربة مع لبنان، توجد بحسب المعطيات المتداولة 108 سدود بسعة تخزينية تقارب 330 مليون متر مكعب.
أما في لبنان، الذي يستقبل سنوياً ما يصل إلى 12 مليار متر مكعب من الأمطار والثلوج، فنحن لا نملك القدرة الكافية على تخزين المياه التي نحتاج إليها خلال أشهر الجفاف.
هم يخزّنون المياه… ونحن نشتريها.
هم يستثمرون في الأمن المائي، ونحن نستثمر في الصهاريج.
هم يحوّلون المياه إلى مورد عام، ونحن نترك المواطن يدفع ثمنها من جيبه فقط بسبب العرقلة والكيدية السياسية، وتفضل وزارة الطاقة أن لا تُكمل المشاريع الموضوعة كانت على السكة منذ سنوات عديدة بالرغم من توافر الميزانية لها وكلفة إنهائها لا تتجاوز ال ٣٠% من ثمن الصهاريج التي يتكبدها اللبنانييون خلال سنة واحدة، وهذا الحلّ الوحيد المستدام للمياه ولجيبة المواطنين.
نعم للبيئة… ونعم للمياه
الدفاع عن تخزين المياه لا يعني تجاهل البيئة.
أي مشروع سد يجب أن يخضع لدراسات بيئية وعلمية دقيقة، وأن يخفف الأضرار ويعوض عنها، بما في ذلك إعادة التشجير وحماية الأنظمة البيئية.
لكن حماية البيئة لا يجب أن تتحول إلى ذريعة لترك اللبنانيين من دون مياه.
كما أن بناء السدود لا يجب أن يتحول إلى غطاء لمشاريع غير مدروسة أو غير مجدية.
المطلوب ليس سدوداً بأي ثمن، ولا رفض السدود بأي ثمن.
المطلوب تطبيق السياسة المائية الوطنية التي كتبت وصممت وبدأت بتنفيذ مشتريع تخزنين المياه لاسيما وأن موازنة وزارة الطاقة إرتفعت بنسبة كبيرة وصارت تسمح لها بإنهاء السدود.
السؤال الذي يجب أن يُطرح
كم مليون دولار دفع اللبنانيون خلال السنوات الماضية لشراء المياه من الصهاريج؟
وكم كان يمكن توفيره لو لم نعرقل الإستثمارات في البنية التحتية المائية تحت ذرائع مختلفة؟
وكم مليار متر مكعب من المياه وصل إلى البحر بينما كان المواطن يطلب صهريجاً؟
المشكلة ليست أن لبنان فقير بالمياه.
المشكلة أن لبنان فقير بالوعي السياسي الذي تحت عنوان "النكد" يعرقل المشاريع الحياوية.
كل شتاء، السماء تعطي لبنان مليارات الأمتار المكعبة من المياه.
وكل صيف، المواطن يدفع ثمنها.
هذه ليست أزمة مياه فقط. هذه أزمة إدارة دولة.
فبدلاً من أن يبقى المواطن أسير الصهريج، يجب أن تكون المياه مؤمّنة من خلال الدولة، عبر السدود والخزانات والشبكات والمياه الجوفية والإدارة الحديثة للموارد.
لأن المياه التي لا نخزنها في الشتاء، سيدفع المواطن ثمنها في الصيف.
ولأن كل صهريج يدفع ثمنه اللبناني هو تذكير بفشل الدولة في إدارة ثروته المائية، وتذكير بمن وكيف ولماذا عرقل مشاريع السدود.
المصدر: vdlnews
- شارك الخبر:
