من وزارة الطاقة إلى بعبدا: ماذا تريد "القوات"؟
تتجاوز أزمة وزير الطاقة جو الصدّي حدود الخلاف على الكهرباء وآلية إدارة الوزارة، لتلامس الحسابات الحكومية بين الاطراف: من يتحمل كلفة التعثر عندما تتحول الوزارة إلى واجهة يومية للأزمات، ومن يملك القدرة على منع تحويلها إلى عبء سياسي على الجهة التي تتولاها؟ من هنا تُقرأ خطوة الصدّي في الامتناع عن حضور جلسات مجلس الوزراء، كإشارة سياسية رفعت "القوات اللبنانية" من خلالها سقف اعتراضها، بعدما بدأت ترى أن ملف الطاقة يتجه إلى تحميلها كلفة أكبر من قدرتها على التحكم بمساره.
منذ تشكيل الحكومة، لم تكن "القوات" متحمسة لتولي وزارة الطاقة، إذ كانت تدرك أن الوزارة تحمل إرثاً ثقيلاً من الأزمات، وأن أي تعثر في الكهرباء يمكن أن يتحول سريعاً إلى مادة لاستهداف الجهة السياسية التي تديرها. ومع ذلك، دخلت "القوات" إلى الوزارة، لتجد نفسها أمام ملف تتشابك فيه القرارات التقنية مع المصالح السياسية والاقتصادية، وتُقاس نتائجه يومياً بما يدفعه المواطن وبما يصل إلى معامل الكهرباء ومولدات الأحياء.
هنا تحديداً تبدأ الحسابات الجديدة. فـ"معراب" لا تريد أن تتحول وزارة الطاقة إلى منصة تُستنزف عبرها صورتها السياسية، ولا تريد في الوقت نفسه أن تنسحب منها بطريقة تسمح لخصومها بتثبيت رواية أن الوزير أخفق في إدارة الملف. لذلك يبدو امتناع الصدّي عن جلسات الحكومة أقرب إلى رفع بطاقة اعتراض سياسية منه إلى قرار انسحاب. الرسالة موجهة إلى رئيس الحكومة والوزراء، لكنها تصل بصورة أساسية إلى رئاسة الجمهورية: إدارة هذا الملف لم تعد شأناً يخص الوزير وحده، والمسؤولية عن النتائج يجب أن تكون حكومية وسياسية بالمعنى الأوسع.
زيارة عدد من نواب "القوات" قصر بعبدا، بالتزامن مع حضور وزير الخارجية، تضيف ثقلا آخر على الحسابات. فالحزب يتعامل مع المرحلة باعتبارها اختباراً لموقعه داخل السلطة، ولقدرته على حماية المسار السياسي الذي يراهن عليه في العهد الحالي. ومن هذه الزاوية، يصبح الدفاع عن وزير الطاقة جزءاً من معركة أوسع حول توزيع المسؤوليات داخل الحكومة، وحول منع تحويل الملفات المتعثرة إلى أدوات لاستنزاف القوى السياسية التي تحملها.
في الجهة المقابلة، يستعيد "التيار الوطني الحر" ملف الطاقة بوصفه مساحة صراع سياسي قديمة. الهجوم المتواصل على الصدّي يمنح التيار فرصة لإعادة فتح دفاتر السنوات التي كانت الوزارة فيها تحت إدارته، وتحويل الانتقادات الحالية إلى مادة للمقارنة والمواجهة. وهنا لا تبدو المعركة تقنية حول الإنتاج والتغذية والمحروقات فقط، اذ ثمة محاولة واضحة لإعادة تعريف المسؤولية السياسية عن وزارة لطالما كانت واحدة من أكثر الوزارات استنزافا في الحياة اللبنانية.
ولا تقف "القوات" عند هذا الحد. فوزير الخارجية يشكل بدوره هدفاً سياسياً لانتقادات "حزب الله" وحلفائه، ما يجعل الحزب أمام جبهة داخلية : وزيران محسوبان على موقعه السياسي يتعرضان لضغط من جبهتين مختلفتين، فيما يتسع هامش تحميل الحكومة مسؤولية الملفات التي تديرها القوى المشاركة فيها.
لذلك، فإن خطوة الصدّي تحمل في جوهرها محاولة لإعادة توزيع الكلفة السياسية داخل الحكومة. "القوات" تريد أن تقول إن مشاركتها في السلطة لا تعني قبولها بأن تتحول إلى جهة تتحمل وحدها نتائج خيارات حكومية يفترض أن تكون جماعية. وفي الوقت نفسه، لا تبدو مستعدة للتخلي عن الوزارة بما يمنح خصومها فرصة الاحتفال بإخفاقها.
ما حصل قد يكون الحجر الأول في مسار تصعيد سياسي محسوب. فإذا بقيت الاعتراضات من دون معالجة، ستصبح "الطاقة" عنواناً لصراع أكبر حول أداء الحكومة، وحدود مسؤولية الوزراء، ودور رئاسة الجمهورية في حماية التوازنات السياسية داخلها. أما إذا جرى احتواء الأزمة، فقد تكون "القوات" حققت هدفها الأساسي: تسجيل موقف واضح لدى أصحاب القرار، ومنع تثبيت معادلة تجعلها الطرف الذي يدفع وحده ثمن ملف لم تصنع أزماته.
ليبانون فايلز | علاء الخوري
- شارك الخبر:
