أسرار صيف 1982 تُكشف... بشير الجميل ومغنية و4 إيرانيين غيّروا وجه المنطقة!
بعد 44 عاماً على الاجتياح الإسرائيلي للبنان، تكشف صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، في تحقيق للصحافية كيم غطاس، تفاصيل جديدة عن مرحلة مفصلية أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط، من مقتل 4 إيرانيين على يد القوات اللبنانية، إلى دخول الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع ونشأة حزب الله، مروراً بخطف مسؤول أميركي على يد عماد مغنية، وصفقات سلاح جمعت إسرائيل وإيران رغم العداء بينهما.
تبدأ الرواية صباح 9 حزيران 1982، عندما شاهد السفير الأميركي في لبنان روبرت ديلون الدبابات الإسرائيلية تتقدم نحو بيروت، رغم تعهد وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون لواشنطن بحصر العملية العسكرية ضمن مسافة 40 كيلومتراً من الحدود. وحين أبلغ ديلون المسؤولين الأميركيين بأن الدبابات أصبحت على مسافة مئات الأمتار من مقر إقامته قرب القصر الجمهوري، جاءه الرد بأن تل أبيب تؤكد بقاء قواتها جنوب العاصمة، ما دفعه إلى الصراخ: "تل أبيب تكذب عليكم!".
وبحسب التحقيق، لم يكن شارون يسعى فقط إلى إبعاد المقاتلين الفلسطينيين عن الحدود، بل إلى إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، وضرب الجيش السوري، وإيصال رئيس مسيحي حليف لإسرائيل إلى السلطة. وانتهى الاجتياح بحصار بيروت وقصفها لشهرين، وسط سقوط نحو 17 ألف قتيل خلال ذلك الصيف.
في المقابل، كانت طائرة إيرانية من طراز بوينغ 747 تنقل نحو 600 مقاتل من الحرس الثوري إلى دمشق، في مهمة لمواجهة الجيش الإسرائيلي. وشارك في التحضيرات محسن رضائي، فيما تولى أحمد متوسليان، أحد قادة معركة خرمشهر ضد العراق، دوراً أساسياً في قيادة القوة.
لكن الرئيس السوري حافظ الأسد، الذي خسر وفق التقرير 80 طائرة مقاتلة و40 طياراً في المواجهات مع إسرائيل، رفض تزويد الإيرانيين بالسلاح الثقيل، تجنباً لحرب مباشرة. وعاد معظم المقاتلين إلى إيران، فيما بقيت مجموعة في منطقة بعلبك لتدريب شبان شيعة وإنشاء تشكيلات مستوحاة من الحرس الثوري والباسيج، شكّلت لاحقاً نواة حزب الله، في مشروع رعاه الرئيس الإيراني آنذاك علي خامنئي.
وتكشف غطاس أن متوسليان شارك، قبل عودته المفترضة إلى طهران، في عشاء ببعلبك ضم الشيخ صبحي الطفيلي، الذي أصبح أول أمين عام لحزب الله، وحسين الموسوي، مؤسس حركة أمل الإسلامية، والقائم بالأعمال الإيراني محسن موسوي.
وفي صباح 4 تموز 1982، انطلق متوسليان وموسوي مع قيادي في الحرس الثوري وصحافي نحو بيروت الغربية، على متن سيارة مرسيدس تحمل لوحة دبلوماسية إيرانية، لكن عناصر القوات اللبنانية أوقفوهم عند حاجز البربارة، واقتادوهم للتحقيق، قبل أن تنقطع أخبارهم نهائياً.
وهنا تكشف شهادة غير منشورة سابقاً للسفير ديلون تفاصيل بالغة الحساسية. فبعد اختفاء الإيرانيين، وخطف القائم بأعمال رئيس الجامعة الأميركية في بيروت ديفيد دودج، التقى ديلون بشير الجميل طالباً معرفة مصير الرجال الأربعة.
وبعد نحو 10 أيام، عاد الجميل، الذي كان قد انتُخب رئيساً للجمهورية، وأبلغ السفير وعدداً من الدبلوماسيين الأميركيين بأن الإيرانيين "مدفونون تحت إسفلت موقف سيارات أُنشئ حديثاً"، وأنهم لن يعودوا أبداً.
وبحسب الرواية التي تنقلها غطاس، نُقل الإيرانيون إلى مقر استخبارات القوات اللبنانية، وخضعوا للاستجواب، وسط مزاعم عن مشاركة الموساد الإسرائيلي، قبل قتلهم بالرصاص ودفنهم، ثم نقل سيارتهم إلى شمال لبنان لتضليل التحقيقات. وتؤكد الكاتبة أن دوافع قتلهم لا تزال مجهولة، فيما تتمسك طهران حتى اليوم باعتقاد أن الرجال الأربعة ربما لا يزالون أحياء في إسرائيل.
وكان اختفاء الإيرانيين قد دفع قادة إيرانيين بالتعاون مع حسين الموسوي إلى اعتماد الخطف وسيلة للمقايضة. ففي 7 تموز، خطفت حركة أمل الإسلامية نحو 12 لبنانياً قرب بعلبك، بينهم أسقف، من دون تحقيق النتيجة المرجوة. وبعدها، في 19 تموز، خُطف ديفيد دودج من حرم الجامعة الأميركية في بيروت.
وفي رسالة وصلت إلى السفير الأميركي في 20 آب، أكد دودج أن خاطفيه هددوا بقتله إذا لم يُفرج عن الإيرانيين الأربعة. وبعد اعتراف الجميل بمقتلهم، واجه الدبلوماسيون الأميركيون معضلة الكشف عن الحقيقة، قبل أن يقرر ديلون إيصال المعلومة إلى الخاطفين، رغم المخاطرة بحياة الرهينة.
أما المفاجأة الأبرز، فتتمثل في كشف غطاس أن منفذ خطف دودج كان عماد مغنية، الذي كان آنذاك شاباً يسعى إلى إثبات ولائه للخميني. وتعتبر أن العملية كانت أول تجربة له في احتجاز الرهائن، قبل أن يصبح لاحقاً من أبرز المسؤولين عن عمليات الخطف والتفجيرات ضد المصالح الأميركية والإسرائيلية.
وتشير المعلومات إلى أن دودج احتُجز بداية بين الضاحية الجنوبية والبقاع، قبل نقله إلى الطابق الثالث من السفارة الإيرانية في دمشق. وفي مطلع 1983، خُدّر ووُضع داخل صندوق، ونُقل عبر مطار دمشق إلى طهران، حيث أمضى الأشهر الـ6 الأخيرة من أسره في سجن إيفين، وفق وثائق رفعت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية السرية عنها.
وتكشف غطاس أن حافظ الأسد غضب بشدة عندما علم بمرور الرهينة الأميركية عبر دمشق، وضغط على الإيرانيين للإفراج عنه حفاظاً على علاقاته الدبلوماسية مع واشنطن. لكن المسؤولين الإيرانيين انقسموا بين من أراد مبادلته بالإيرانيين المفقودين أو استعادة جثامينهم، ومن فضّل استخدامه للحصول على أسلحة.
وتؤكد الكاتبة أن إيران حصلت بالفعل على أسلحة بالتزامن مع الإفراج عن دودج عام 1983، وعلى الأرجح عبر إسرائيل، التي كانت قد باعت طهران أسلحة استولت عليها من الفلسطينيين خلال اجتياح لبنان. وكان شارون قد أقرّ ببيع السلاح لإيران رغم اعتراض واشنطن، اعتقاداً منه بأن ذلك سيُبقي قناة اتصال مفتوحة مع طهران لمرحلة ما بعد سقوط الخميني.
وترى غطاس أن هذه العمليات أسست لسياسة إيرانية طويلة الأمد تقوم على استخدام الرهائن أوراق ضغط للحصول على الأسلحة أو التنازلات، وصولاً إلى فضيحة "إيران كونترا" في عهد الرئيس رونالد ريغان، ثم احتجاز مواطنين غربيين ومزدوجي الجنسية للتفاوض بشأن العقوبات.
وفي موازاة ذلك، كان مالكوم كير، الذي خلف دودج في رئاسة الجامعة الأميركية، يحاول كشف مصير زميله، حتى إنه التقى الرئيس السابق سليمان فرنجية، الذي أبلغه بعد اتصاله بدمشق أن دودج ليس موجوداً في سوريا. كما حاول كير الوصول إلى حسين الموسوي، قبل أن يتلقى رسالة تطالبه بالتوقف عن البحث.
وبعد الإفراج عن دودج، حذّر الأخير كير من خطورة البقاء في بيروت، خصوصاً بعد تفجير السفارة الأميركية في نيسان 1983، الذي أوقع 63 قتيلاً، ثم تفجير مقر المارينز في 23 تشرين الأول من العام نفسه، الذي أدى إلى مقتل 241 عسكرياً أميركياً.
لكن كير، الذي وُلد ونشأ في بيروت وكان يتحدث العربية ومؤيداً للقضية الفلسطينية، رفض مغادرة الجامعة. وفي 18 كانون الثاني 1984، اغتاله مسلحان أمام مكتبه.
ويشير التحقيق أيضاً إلى اغتيال بشير الجميل في 14 أيلول 1982، وينسب القرار إلى حافظ الأسد، في تطور أسقط أحد أبرز أهداف شارون السياسية، بعدما كانت إسرائيل تراهن على وصول حليف لها إلى الرئاسة اللبنانية.
وتستند غطاس في كشف هذه التفاصيل إلى شهادة السفير ديلون، ووثائق استخباراتية أميركية رفعت عنها السرية، ومقابلات أجرتها في لبنان، إضافة إلى شهادات لمسؤولين وقادة إيرانيين باللغة الفارسية، جمعتها خلال إعداد كتابها الجديد عن المواجهة الأميركية الإيرانية في بيروت.
وتخلص إلى أن صيف 1982 لم يكن مجرد اجتياح إسرائيلي للبنان، بل اللحظة التي تداخلت فيها المشاريع الإسرائيلية والإيرانية والأميركية على الأراضي اللبنانية، لتولد منها منظومة من الحروب بالوكالة والخطف والاغتيالات والمقايضات السرية.
وبعد أكثر من 4 عقود، تحوّلت تلك المواجهات غير المباشرة إلى حرب مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فيما لا يزال لبنان يدفع ثمن صراع بدأت ملامحه تتشكل في ذلك الصيف.
- شارك الخبر:
