بين "قوة المنطق" وواقع الميدان: لبنان بين انتظار الردود وتعدد المرجعيات
تتواصل الحركة الدبلوماسية باتجاه بيروت في مشهدٍ يعكس استمرار الاهتمام الدولي بلبنان، وإنْ ضمن سقف إدارة الأزمة لا حلّها. فالموفدون يتناوبون على العاصمة اللبنانية، يحملون رسائل تهدئة أكثر مما يحملون خططاً تنفيذية، فيما تبقى خطوط النار في الجنوب تحت رقابة دقيقة من القوى الكبرى، التي تخشى انفلات الوضع نحو مواجهة لا يريدها أحد، لكنها قد تندلع من شرارة صغيرة.
في هذا السياق، تترقّب بيروت زيارة مستشارة الرئيس الفرنسي لشؤون الشرق الأوسط، وهي زيارة يُعوّل عليها البعض لمعرفة مآلات التنسيق الفرنسي – السعودي، أو الاطلاع على ما يدور داخل اللجنة الخماسية العاملة على خط منع التصعيد. لكنّ القراءة الواقعية تشير إلى أن باريس، التي خسرت كثيراً من رصيدها في الملف اللبناني، تبحث اليوم عن استعادة دورها عبر الوساطة، فيما يبقى تأثيرها الفعلي محدوداً أمام الحضور الأميركي الحاسم في كل ما يتصل بالحدود والملفات الأمنية.
في موازاة ذلك، ينتظر لبنان الرد الإسرائيلي عبر واشنطن بشأن مقترح استئناف المفاوضات غير المباشرة. وهنا يبرز موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الذي دعا إلى “قوة المنطق بدل منطق القوة”، في رسالة مزدوجة: خارجية لتأكيد خيار التفاوض، وداخلية لتخفيف حدة الخطاب المتشنّج الذي يعمّق الانقسام حول كيفية التعاطي مع إسرائيل في ظل التعقيدات الإقليمية.
غير أن هذا الخطاب، وإن كان عقلانياً في الشكل، يصطدم بواقعٍ داخلي معقّد. فالدولة اللبنانية تبدو مقيّدة بتعدد المرجعيات والقرارات المتناقضة بين المؤسسات الرسمية والقوى الفاعلة ميدانياً. وما يُقال عن مفاوضات غير مباشرة لا يمكن أن يتقدّم فعلياً ما لم يُحسم موقع القرار الأمني والسياسي في الداخل.
أما على المستوى المؤسساتي، فتشير المعلومات إلى لقاء مرتقب بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب لبحث مقاربة لبنان الرسمية لمسار التفاوض. لكن التجارب السابقة تُظهر أن هذه اللقاءات غالباً ما تبقى في إطار التنسيق الشكلي، من دون أن تُنتج رؤية موحدة أو خريطة طريق واضحة.
ميدانياً، انعقد الاجتماع الثالث عشر للجنة وقف إطلاق النار في رأس الناقورة، لكنّ دوره بات أقرب إلى إدارة الوقت منه إلى إدارة الأزمة. فكل الأطراف تنتظر "اللحظة المناسبة" لبدء مفاوضات جديدة، فيما تستمر الخروق الإسرائيلية، وتزداد هشاشة الوضع على الأرض.
اللافت أن بعض الأوساط الدولية أعربت عن تقديرٍ لعمل الجيش اللبناني في ملف حصرية السلاح، لكنها أرفقت التقدير بتمنٍّ أن يكون العمل أكثر فعالية — وهو تعبير دبلوماسي يُخفي في طيّاته شكوكاً حقيقية بقدرة الدولة على ضبط السلاح والفصل بين مؤسساتها والقوى غير النظامية.
في المحصلة، يبدو لبنان اليوم عالقاً بين منطقَين متناقضين: منطق "قوة المنطق" الذي يدعو إليه الرئيس عون، ومنطق "الوقائع الميدانية" التي تفرضها قوى الأمر الواقع على الحدود وفي الداخل. وبين هذين المنطقين، يتحوّل البلد إلى ساحة انتظار — تنتظر فيها الدولة الرسائل الدولية، وتنتظر القوى السياسية تبدّل الموازين، فيما ينتظر المواطن بارقة استقرار لا تأتي.
- شارك الخبر:
