400 مليون دولار مهدورة في الاتصالات… والدولة تطلب من المواطن دفع الثمن!
كتب سلام عبد الصمد:
في وقتٍ تبحث فيه الدولة اللبنانية عن إيرادات إضافية، وتفرض أعباءً جديدة على المواطنين من خلال زيادة الرسوم على البنزين، ورفع ضريبة القيمة المضافة، لتأمين التمويل اللازم لزيادة رواتب موظفي القطاع العام وتعزيز التغطية الصحية، تكشف الأرقام عن مفارقة مالية وإدارية خطيرة: الدولة تطلب من المواطن أن يدفع أكثر، فيما تعجز إداراتها عن تحصيل إيرادات كبيرة من قطاع الاتصالات، نتيجة التقاعس عن تطبيق القوانين النافذة.
فبحسب تقرير ديوان المحاسبة، تُقدّر الإيرادات الصافية التي تخسرها الخزينة نتيجة واقع شبكات الإنترنت غير الشرعية (المنشأة خلافاً للقانون) بنحو 128.8 مليون دولار سنويًا. ومنذ تشرين الأول 2023 وحتى تشرين الأول 2026، يصل المبلغ التراكمي، وفق هذا المعدّل، إلى نحو 386.4 مليون دولار، أي ما يقارب 400 مليون دولار.
هذه ليست أرقامًا هامشية في بلد يعاني من عجز في تمويل الرواتب والاستشفاء والخدمات العامة. إنّها أموال كان يمكن أن تشكّل موردًا أساسيًا للخزينة، وأن تخفّف الحاجة إلى تحميل المواطنين مزيدًا من الضرائب والأعباء.
المواطن يدفع، والموظف ينتظر، والمريض يتحمّل العجز
تُقدّر الكلفة السنوية الإضافية لزيادة رواتب القطاع العام بنحو 800 مليون دولار. وفي المقابل، قُدّرت الإيرادات السنوية المتوقعة من زيادة الرسم على البنزين بنحو 250 إلى 300 مليون دولار، ومن رفع ضريبة القيمة المضافة نقطة مئوية واحدة بنحو 200 مليون دولار.
أي إنّ مجموع الإيرادات المقدّرة من هذين المصدرين يتراوح بين 450 و500 مليون دولار سنويًا، ويبقى دون الكلفة المقدّرة لزيادة الرواتب.
وفي القطاع الصحي، تكشف الأرقام بدورها حجم الحاجة. فقد طُلب نقل 8,000 مليار ليرة إلى بند الاستشفاء، أي نحو 89.4 مليون دولار، إضافة إلى 1,000 مليار ليرة، أي نحو 11.2 مليون دولار، لتعزيز مراكز الرعاية الصحية الأولية، على أساس سعر صرف 89,500 ليرة للدولار.
ومع ذلك، أُشير خلال مناقشات موازنة وزارة الصحة إلى أن زيادة اعتمادات الاستشفاء، حتى بعد الإضافة المطلوبة، لا تغطي ثلث الحاجة الفعلية.
وهكذا، يجد الموظف نفسه ينتظر تحسين راتبه، ويجد المريض نفسه أمام تغطية صحية لا تلبّي حاجاته، فيما يُطلب من المواطن تحمّل مزيداً من الضرائب لتأمين التمويل.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح قبل فرض أي عبء جديد هو: لماذا لا تبدأ الدولة بتحصيل الإيرادات التي يفترض أن تدخل إلى خزنتها، بدلاً من اللجوء مباشرة إلى جيوب المواطنين؟
مرسوم قائم، شركات نبّهت، وإيرادات لم تُحصّل
في ملف شبكات الإنترنت غير الشرعية، لا نتحدث عن غياب التشريعات، أو استحالة تنظيم القطاع، بل عن إطار قانوني قائم منذ صدور المرسوم رقم 9458/2022، وعن آليات تنفيذية مرتبطة به، أبرزها القرار رقم 544/2023.
وبحسب المعطيات المتعلقة بالملف، سبق أن نبّهت شركات عاملة في القطاع إلى أهمية تطبيق المرسوم، وما يمكن أن يحققه من تنظيم للسوق واستعادة حصة الدولة من الإيرادات. لكن، بدل الانتقال إلى التنفيذ الفعلي والاستفادة من المردود المالي المتوقع، برزت حجة انتهاء صلاحية المرسوم بعد مرور ثلاث سنوات على إقراره، ما أعاق الاستفادة من الإمكانات التي يتيحها لمعالجة هذا الملف.
وهنا تبرز مسؤولية وزير الاتصالات والجهات المعنية، كلٌّ ضمن صلاحياته القانونية، في توضيح الأساس القانوني لهذا الموقف، وبيان سبب عدم المضي في الإجراءات اللازمة لتحصيل إيرادات بهذا الحجم، ولا سيّما أنّ تقريرَي ديوان المحاسبة، ولجنة الإعلام والاتصالات النيابية، أشارا إلى وجود إطار قانوني لمعالجة الشبكات المخالفة، وإلى قصور واضح في التنفيذ والمتابعة.
فإذا كان هناك خلاف حول مدة سريان المرسوم، أو إمكان تطبيق بعض أحكامه بعد مرور ثلاث سنوات، فإنّ الواجب هو حسم هذا الخلاف قانونياً واتخاذ الإجراءات اللازمة، لا ترك الملف معلّقًا فيما تتراكم خسائر الخزينة.
أمّا الهيئة المنظمة للاتصالات، فمسؤوليتها يجب أن تُقيَّم ضمن حدود صلاحياتها القانونية. وقد انتقد ديوان المحاسبة جوانبَ من القرار رقم 4/2026 الصادر عن الهيئة، فيما شدّد على أن تدخل الهيئة لا يُعفي وزارة الاتصالات من مسؤولياتها التنفيذية. وهذا يفرض مساءلة مؤسّساتية واضحة: مَن كان مسؤولأً عن كل إجراء؟ وما الذي نُفّذ فعلاً؟ ولماذا بقيت الإيرادات المتوقعة خارج الخزينة؟
المطلوب ليس تبادل المسؤوليات، بل تحديدها ومحاسبة المقصّرين على أساس الوقائع والصلاحيات القانونية.
128.8 مليون دولار سنويًا… رقم كان يستحق تحرّكًا جديًا
لإدراك حجم الخسارة، فإن مبلغ 128.8 مليون دولار سنويًا يعادل نحو 43% إلى 52% من الإيرادات المتوقعة من زيادة الرسم على البنزين، ونحو 64% من الإيرادات المتوقعة من رفع ضريبة القيمة المضافة نقطة مئوية واحدة.
أما مبلغ 400 مليون دولار تقريبًا، وهو التقدير التراكمي للخسائر خلال ثلاث سنوات، فيعادل نصف الكلفة السنوية المقدّرة لزيادة رواتب القطاع العام.
وهذا لا يعني أن إيرادات الاتصالات وحدها كانت ستغطي كامل كلفة الرواتب، أو كل احتياجات القطاع الصحي، لكنه يعني أن تحصيلها كان يمكن أن يوفّر موردًا مهمًا، ويخفف جزءًا من الضغط المالي، ويمنح الدولة هامشًا أوسع في اتخاذ قراراتها.
ولا يجوز التعامل مع هذا المبلغ باعتباره مجرد رقم في تقرير رقابي، فخلفه خدمات عامة لم تُموَّل، وحاجات صحية لم تُغطَّ بالكامل، وموظفون ينتظرون تحسين أوضاعهم، ومواطنون يُطلب منهم دفع المزيد.
قبل زيادة الضرائب حاسبوا المسؤولين عن الإيرادات الضائعة
إنّ مسؤولية وزير الاتصالات والجهات التنفيذية والتنظيمية المعنيّة لا تقتصر على إعلان الخطط، أو اقتراح تعديلات جديدة، بل تشمل تنفيذ الأطر القانونية النافذة، ومتابعة تطبيقها، ورفع التقارير عن النتائج والإيرادات، وتوضيح أي عوائق قانونية تحول دون التنفيذ.
وقبل أن تطلب الدولة من المواطن أن يدفع أكثر، عليها أن تثبت أنها بذلت ما يلزم لتحصيل حقوقها. وقبل أن تطلب من الموظف الصبر على راتبه، ومن المريض تحمّل نقص التغطية الصحية، عليها أن تجيب عن سؤال أساسي: لماذا بقيت إيرادات تُقدّر بنحو 128.8 مليون دولار سنويًا خارج الخزينة، ومن يتحمّل مسؤولية ذلك؟
فالمال العام ليس ملكًا للإدارات كي تتصرف به وفق أولوياتها، بل حق للمواطنين، وحمايته واجب قانوني وأخلاقي. والعدالة المالية لا تبدأ بزيادة الضرائب، بل بمنع الهدر، وتطبيق القانون، ومحاسبة المسؤولين عن تعطيل تحصيل إيرادات الدولة.
- شارك الخبر:
